سبحانه وتعالى
قالَ سُبْحانَكَ
أي أنزهك تنزيها من أن يكون لك شريك
ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ
ما ينبغي لي أن أقول قولا لا يحق لي أن أقوله
كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ
تعلم ما أخفيه في نفسي كما تعلم ما أعلنه ولا أعلم
شرح
أوّل من صلى المغرب عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم شكر اللّه حين خاطبه بقوله أأنت قلت الخ ، وكان ذلك بعد الغروب فالأولى لنفي الألوهية عن نفسه ، والثانية لنفيها عن أمّه ، والثالثة لاثباتها للّه . قوله :
( أي أنزهك تنزيها من أن يكون لك شريك الخ ) إشارة إلى أنّ اتخاذهما إلهين تشريك لهما معك في الألوهية لا إفرادهما بذلك إذ لا شبهة في ألوهيتك ، وأنت منزه عن الشركة فضلا عن أن يتخذ إلهان دونك على ما يشعر به ظاهر العبارة قيل : ويجوز أن يكون إشارة إلى أنّ من دون اللّه في موقع الصفة ، والمعنى الهين سوى اللّه فيكون المجموع ثلاثة ، وهذا إثبات للشريك فنزهه عنه ، ومنه يعلم توجيه آخر لقوله من دون اللّه غير التوجيهين السابقين اللذين ذكرهما الراغب ، وتبعه المصنف رحمه اللّه ، وقوله أنزهك تنزيها إشارة إلى أنه منصوب على المصدرية كما مرّ تفصيله في سورة البقرة ، وقوله من أن يكون لك شريك بيان لمتعلق المنزه عنه ، وقدّره ابن عطية من أن يقال هذا ، وينطق به قيل وهو أنسب بقوله ما يكون لي أن أقول الخ . قوله :
( ما ينبغي لي أن أقول قولا لا يحق لي أن أقوله ) إشارة إلى أن ما يكون بمعنى ما ينبغي ، ولا يليق ، وهو أبلغ من لم أقله وقوله لا يحق لي إشارة إلى أنّ لي متعلقة بحق مقدّمة عليه ، وبحق خبر ليس ، وليس بمتعين لاحتمال لي أن يكون للتبيين فيتعلق بمحذوف كما في سقيا لك ، وقد أعربه المعربون كذلك فلا حاجة إلى تكلف وجه آخر ، ولا يرد عليه ما قيل إنه يقتضي تعلق لي بحق وتقديم صلة المجرور على الجار ممتنع فلا بد من تقدير متعلق يفسره الظاهر ، وأما القول بأنّ الباء زائدة فلا يفيد إذ لا فرق في المنع بين الزائد ، وغيره إلا أن يذهب إلى القول بالجواز كما ذهب إليه بعض النحاة . قوله : ( إن كنت قلته ) المعنى على المضي هنا ، وإن تقلب الماضي مستقبلا فلذا قيل معناه إن صح قوله ودعو أي ذلك فقد تبين عملك به ، وأجاب عنه ابن يعيش بجوابين الأوّل عن المبرد أنّ كان قوية الدلالة على المضيّ فلا تقدران على تحويلها إلى الاستقبال الثاني عن ابن السراج أن التقديران أقل كنت قلته قال : وكذ ما كان من أمثاله ، وفي تذكرة ابن هشام رحمه اللّه أنّ هذين الجوابين ضعيفان .
قوله : ( تعلم ما أخفيه في نفسي كما تعلم الخ ) قال الزجاج : النفس في كلامهم لمعنيين بمعنى الروح ، وبمعنى الذات وحقيقة الشيء ، وليس مراده الحصر فيهما لأنّ لها معاني أخر ، وإذا كانت بمعنى الذات فقد ورد إطلاقها على اللّه من غير مشاكلة كقوله :كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَوغيره وأمّا بالمعنى الأوّل فلا تطلق عليه تعالى إلا مشاكلة ، وهنا إن كان المراد الذات على كل حال فيهما فليست المشاكلة في إطلاقها بل في لفظ في حيث جعلت علم عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم ، في ذاته بمعنى في ذهنه ، وعقله كقولك كان كذا في نفسي ، وعلم اللّه لا يرتسم في عقل ، ودهن ولا يتوقف على آلة ، ولذا قال الطيبي رحمه اللّه لا بد من المشاكلة ، وإن أريد الحقيقة