وهو المختار في أمثاله لأنّ الإنشاء لا يقع خبرا إلا بإضمار ، وتأويل والسرقة أخذ مال الغير خفية ، وإنما توجب القطع إذا كانت من حرز والمأخوذ ربع دينار أو ما يساويه لقوله عليه الصلاة والسّلام : « القطع في ربع دينار ، فصاعدا » وللعلماء خلاف في ذلك لأحاديث وردت فيه ، وقد استقصيت الكلام فيه في شرح المصابيح ، والمراد بالأيدي الإيمان ، ويؤيده قراءة ابن مسعود رضي اللّه عنه أيمانهما ولذلك ساغ وضع الجمع موضع المثنى كما في قوله تعالى :
فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
[ سورة التحريم ، الآية : 4 ] اكتفاء بتثنية المضاف إليه واليد اسم لتمام العضو ولذلك ذهب الخوارج إلى أنّ المقطع هو المنكب والجمهور على أنه الرسغ لأنه عليه الصلاة والسّلام أتى بسارق ، فأمر بقطع يمينه منه
جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ
شرح
ولا عطر بعد عروس ، وناهيك بمقام لم يفهمه مثل الزمخشري ، والإمام ولنا فيه زيادة تحقيق في سورة النور . قوله : ( وجملة عند المبرد الخ ) هذا كلام ابن الحاجب بعينه ، وكونه جملتين عند سيبويه لأنّ تقديره مما يتلى عليكم حكم السارق ، والسارقة ، وهذه جملة اسمية ، وقوله : فاقطعوا جملة فعلية مفسرة لذلك الحكم ، وأما المبرد فذهب إلى أنّ الفاء ليست هي التي يعمل ما بعدها فيما قبلها كما في وربك فكبر ليصح النصب بالتسليط لما بعدها ، وإنما هي الفاء الجزائية الداخلة على الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط بناء على أنّ اللام موصولة لا حرف تعريف كما في المؤمن ، والكافر مما لم يقصد به معنى الحدوث ، والمعنى الذي سرق ، والتي سرقت فاقطعوا الخ . ومثل هذه الفاء يمنع العمل بالاتفاق ، والأمر في هذا الموقع يقع خبرا للمبتدأ بلا تأويل ، وليس من قبيل زيد فاضربه لكونه في الحقيقة شرطا ، وجزاء مثل أن سرط فاقطعوه كذا قال النحرير : نقلا عن المبرد وفيه نظر لأنّ هذه الفاء زائدة ، وكونها تمنع العمل بالاتفاق لا يظهر وجهه ، وأيضا أنّ أل الموصولة قال الحلبي لا تقع في خبرها الفاء فليحرر هذا النقل فإنّ في النفس منه شيئا وقوله لتضمنهما أي السارق والسارقة ، وفي نسخة لتضمنها أي الجملة ، والأولى أولى . قوله : ( وقرئ بالنصب وهو المختار الخ ) فيه بحث لأنه إن أراد أنه مختار عند القراء فليس كذلك لأنّ القراءة المتواترة على خلافه ، وإن أراد عند النحاة فقد عرفت أنّ سيبويه يقول إنّ الرفع أقوى ، وإنه عنده ليس من باب الاشتغال ، وإن أراد عند المبرد فمذهب المبرد أنّ المبتدأ المتضمن معنى الشرط لا يحتاج خبره الأمريّ إلى تأويل ، ولم يدخل السارقة في السارق تغليبا كما هو المعروف في أمثاله لأنه لبيان الحد الذي يحافظ فيه على ترك ما يدرأ الشبهة ، وما ذكره في السرقة ، وشروطها مما تكفلت به الفروع ، وقوله ( صلّى اللّه عليه وسلّم القطع الخ ) أخرجه الشيخان عن عائشة ولفظه : « تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا » « 1 » . قوله : ( والمراد بالأيدي الإيمان ، ويؤيده قراءة ابن مسعود رضي اللّه عنه الخ ) وضع الجمع موضع المثنى إشارة إلى قاعدة ذكرها النحاة ، وهي أنّ كل جزأين أضيفا إلى الكل لفظا أو تقديرا ، وكانا مفردين من صاحبهما
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 6789 و 6790 وأبو داود 4383 و 4384 والترمذي 1145 والنسائي 8 / 79 والحميدي 280 من حديث عائشة .