منه ، ولكن تخرج عن قتله واستسلم له خوفا من اللّه سبحانه وتعالى لأنّ الدفع لم يبح بعد ، أو تحريا لما هو الأفضل قال عليه الصلاة والسّلام : « كن عبد اللّه المقتول ولا تكن عبد اللّه القاتل » وإنما قال : ما أنا بباسط في جواب : لئن بسطت للتبري عن هذا الفعل الشنيع رأسا ، والتحرّز من أن يوصف به ، ويطلق عليه ، ولذلك أكد النفي بالباء
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ
تعليل ثان للامتناع عن المعارضة ،
شرح
مؤمن متق الخ يريد أنّ هذا الجواب وارد على الأسلوب الحكيم لأنه تلقاه بغير ما يتطلب ، وبما هو أهمّ منه من القتل ، والإشارة بقوله ، ولا تحملها على تقوى اللّه التي هي السبب في القبول إلى أنه ينبغي للحاسد أن يرى ذلك ، ويعتقده فيقول فيما لم يتقبل منه أنّ سبب عدم قبوله من قصور فاعل ذلك الفعل فيه لكونه غير واقع على نهج التقوى الصادرة من المؤمنين كعدم نيته بذلك ، وقصده وجه اللّه بل حظ نفسه فالمراد بكون متقيا أنه متق في تلك الطاعة فلا يرد عليه ما قيل كل متق أو عاص إذا فعل طاعة ، وأخلص النية فيها قبلت منه كما قال الإمام القرطبي قال : أصحابنا المخلطون يعملون الحسنات ، والسيئات إذا ثقلت حسناتهم دخلوا الجنة ، ولا يصح الجواب بأنّ المراد من التقوى التقوى من الشرك التي هي أوّل المراتب ، وقابيل آل أمره إلى الشرك إذ روي أنه هرب إلى عدن بعد قتل أخيه فأتاه إبليس لعنه اللّه ، وقال له إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه خدمها وعبدها فبنى له بيت نار وهو أوّل من عبد النار . قوله : ( قيل كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج عن قتله ) أي تجنب الحرج والإثم فالتفعل للسلب هنا ، والاستسلام الانقياد ، والمراد به هنا عدم الممانعة والمدافعة وقوله : ( لأنّ الدفع الخ ) يعني أنّ القتل للانتصار ، والمدافعة لم يكن مباحا في ذلك الوقت ، وفي تلك الشريعة كما روي عن مجاهد رحمه اللّه تعالى ، وإنّ اللّه أمر بالصبر عليه ليكون هو المتولي للانتصاف وقوله : ( أو تحريا لما هو الأفضل الخ ) الأفضل الأكثر ثوابا وهو كونه مقتولا لا قاتلا بالدفع عن نفسه بناء على جوازه إذ ذاك ، وهذا الحديث أخرجه ابن سعد في طبقاته « 1 » .
واعلم أنه اختلف في هذا على ما بسطه الإمام الجصاص فالصحيح من المذهب أنه يلزم دفع الفساد عن نفسه ، وغيره وإن أدى إلى القتل ، ولذا قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنّ معنى ما أنا بباسط الخ . إن بدأتني بقتل فأنا لم أبدأك فالمعنى لم يثبت لي بسط اليد ووجه التعبير بالاسمية ظاهر حينئذ وأما على قول مجاهد رحمه اللّه تعالى إنه لم يبح لهم الدفع فالآية منسوخة ، وهل نسخت قبل شرعنا أم لا فيه كلام ، والدليل عليه قوله :فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي[ سورة الحجرات ، الآية : 91 ] وغيره من الآيات والأحاديث وقيل إنه لا يلزم ذلك بل يجوز ، واستدل بهذا الحديث ، ونحوه وأوّلوه بترك القتال في الفتنة ، واجتنابها وأوّل الحديث يدلّ
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود 4257 من حديث سعد بن أبي وقاص بأتم منه . وورد من حديث أبي موسى أخرجه أبو داود 4259 والترمذي 2204 وابن ماجة 3961 وإسناده حسن ، وصححه الحاكم 4 / 440 وله شواهد أخرى .