الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ
أرض بيت المقدس سميت بذلك لأنها كانت قرار الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، ومسكن المؤمنين . وقيل : الطور وما حوله . وقيل : دمشق وفلسطين ، وبعض الأردن . وقيل : الشأم
الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
قسمها لكم ، أو كتب في اللوح أنها تكون مسكنا لكم ، ولكن إن آمنتم وأطعتم لقوله لهم بعد ما عصوا ، فإنها محرّمة عليهم
وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ
ولا ترجعوا مدبرين خوفا من الجبابرة قيل : لما سمعوا حالهم من النقباء بكوا ، وقالوا : ليتنا متنا بمصر تعالوا نجعل علينا رأسا ينصرف بنا إلى مصر ، أو لا ترتدّوا عن دينكم بالعصيان ، وعدم الوثوق على اللّه سبحانه وتعالى
فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ
ثواب الدارين ، ويجوز في فتنقلبوا الجزم على العطف ، والنصب على الجواب
قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ
متغلبين لا تتأتى مقاومتهم والجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره ، وهو الذي يجبر الناس على ما يريده
وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ
إذ لا طاقة لنا بهم
قالَ رَجُلانِ
كالب ويوشع
مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ
أي
شرح
كما تكاثر الأنبياء بعد فرعون ، وحين قتلوا يحيى انقطعت كثرة الأنبياء بشؤم فعلهم ، وفي أكثر النسخ حتى قتلوا ، وعلى هذا فيكون المعنى تكاثرت الأنبياء ، والملوك فيهم قبل قتل يحيى فلما قتلوا يحيى انقطع عنهم كثرة ما ذكر انتهى . قوله : ( من فلق البحر الخ ) هذا دفع لما يتوهم من تفضيلهم على أمّة محمد بأنّ المراد بما آتاهم أمر مخصوص بهم كفلق البحر ، وتظليل الغمام لهم في التيه أو كثرة الأنبياء ، والملوك ، وهذا لم يؤته أحد غيرهم ، ولا يلزم من تفضيلهم بوجه تفضيلهم من جميع الوجوه فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل أو الألف ، واللام في العالمين للعهد فالمراد عالمو زمانهم فلا يلزم المحذور أيضا ، وإيتاء ما لم يؤت أحد وإن لم يلزم منه التفضيل لكن المتبادر من استعماله ذلك فلذا أوّلوه بما ذكر قوله :
( كأرض بيت المقدس الخ ) في معناه أربعة أقوال كما ذكره المصنف ، وسميت مقدسة أي مطهرة لتطهيرها من الشرك فإنها مقر الأنبياء ، ومهبط الوحي والأردن بضم الهمزة وسكون الراء المهملة ، وضم الدال المهملة ، وتشديد النون ، وما وقع في القاموس من أنها بتشديد الدال سهو منه ، وهي كورة بالشأم . قوله : ( قسمها لكم أو كتب في اللوح الخ ) القسمة بمعنى التقدير فمعنى كتبها قدرها مجازا أو المراد الكتابة في اللوح فهي حقيقة روي أنّ اللّه تعالى أمر الخليل عليه الصلاة والسّلام أن يصعد جبل لبنان فما انتهى بصره إليه فهو له ولأولاده فكانت تلك الأرض مدى بصره ، وقوله إن آمنتم الجمع بينه ، وبين الآية الآتية بناء على أنّ التحريم فيها مؤبد ، وهو أحد الوجهين كما سيأتي . قوله : ( ولا ترجعوا مدبرين الخ ) يعني أنّ على أدباركم حال من فاعل ترتدّوا أي منقلبين ومدبرين ، والأدبار جمع دبر ، وهو ما خلفهم من الأماكن من مصر وغيرها ، وقوله قيل الخ . إشارة إلى حمل الرجوع على الرجوع إلى مصر فالمراد بالارتداد الرجوع عن مقصدهم إلى غيره ، وعلى القول الأخير المراد به صرف قلوبهم عما كانوا عليه من الاعتقاد صرفا غير محسوس وقوله ثواب الدارين إشارة إلى مفعوله