إليهم حين انطمست آثار الوحي ، وكانوا أحوج ما يكون إليه
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ
فأرشدكم وشرّفكم بهم ولم يبعث في أمّة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً
أي وجعل منكم أو فيكم ، وقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء بعد فرعون حتى فعلوا بيحيى ، وهموا بقتل عيسى ، وقيل :
لما كانوا مملوكين في أيدي القبط ، فأنقذهم اللّه وجعلهم مالكين لأنفسهم ، وأمورهم سماهم ملوكا
وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
من فلق البحر وتظليل الغمام ، وإنزال المنّ والسلوى ونحوها مما آتاهم اللّه وقيل المراد بالعالمين عالمي زمانهم
يا قَوْمِ ادْخُلُوا
شرح
وغيره أن خالد بن سنان « 1 » العبسي كان ثيبا من معجزاته أنّ نارا ظهرت بأرض العرب فافتتنوا بها ، وكادوا يتمجسون فأخذ خالد عصاه ، ودخلها حتى توسطها وفرقها فطفئت وهو في وسطها ، وقيل إنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال فيه : « ذاك نبيّ ضيعه قومه » « 2 » وأتت ابنته النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وآمنت به وله قصة مفصلة في كتب الآثار ، والصحيح أنه من الأنبياء ، وأنه قبل عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم . قوله : ( حين انطمست آثار الوحي الخ ) أحوج ما يكون إليه أي في حين هو أحوج أوقات كينونتهم إلى الرسول على طريقة أخطب ما يكون الأمير قائما . قوله : ( ولم يبعث في أمّة الخ ) إشارة إلى الكثرة التي يفيدها جمع الكثرة المنكر ، وليس هذا هو كلام موسى صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولذا غير أسلوب الخطاب إلى الغيبة . قوله : ( وجعلكم ملوكا ) غير الأسلوب فيه لأنهم لكثرة الملوك فيهم ، ومنهم صاروا كلهم كأنهم ملوك لسلوكهم مسلك الملوك في السعة والترفه فلذا تجوّز في إسناد الملك إلى الجميع بخلاف النبوّة فإنها ، وإن كثرت لا يسلك أحد مسلك الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، لأنها أمر إلهي يختص اللّه به من يشاء فلذا لم يتجوّز في إسنادها ، وهذا هو الوجه اللائق ببلاغة الكتاب العزيز فقول المصنف منكم أو فيكم بيان لحاصل المعنى لا أنه مقدّر فيه ذلك وعلى الوجه الثاني جعل إنقاذهم من القبطة ، وتملكهم عليهم ملكا فالتجوّز في لفظ الملوك ، وعلى الأوّل في الإثبات للكل ما هو للبعض . قوله : ( وقد تكاثر فيهم الملوك الخ ) هذا أيضا من كلام المصنف بيانا للواقع لا من كلام موسى صلّى اللّه عليه وسلّم أو ما أدرج فيه لأنه لا يناسب ذكر عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم والمعنى أنّ موسى صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر لهم إنعام اللّه عليهم بجعلهم ملوكا وأن تلك النعمة التي ذكرها استمرّت فيهم زمانا طويلا ، وقوله : ( حتى فعلوا الخ ) إشارة إلى أنهم لكثرة الملوك فيهم طغوا ، وتجبروا حتى فعلوا مثل ذلك ، وقيل معناه أنه تكاثر الملوك فيهم بعد قتل يحيى
هامش
( 1 ) لا يصح هذا والظاهر أنه من الإسرائيليات ولا تثبت نبوة رجل إلا أن يذكر في القرآن أو صحيح الحديث .
( 2 ) أخرجه البزار 2361 « كشف » من حديث ابن عباس ، وقال الهيثمي في « المجمع » 13818 : فيه قيس ابن الربيع ، وثقه شعبة والثوري وضعفه أحمد مع ورعه وابن معين ، وهو معارض بحديث أبي هريرة المتقدم . فالحديث ضعيف بل منكر . ولو كان نبيا حقا لاشتهر وتواتر عند العرب .