وقالت : دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم فإنّ بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم فقال زكريا : أنا أحق بها عندي خالتها فأبوا إلا القرعة ، وكانوا سبعة وعشرين فانطلقوا إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فطفا قلم زكريا ورسبت أقلامهم فتكفلها ، ويجوز أن يكون مصدرا على تقدير مضاف أي بذي قبول حسن ، وأن يكون تقبل بمعنى استقبل كنقضي وتعجل أي فأخذها في أوّل أمرها حين ولدت بقبول حسن
وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً
مجاز عن تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها
وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا
شدّد الفاء حمزة ، والكسائي وعاصم ، وقصروا زكريا غير عاصم في رواية ابن عياش على أنّ الفاعل هو اللّه تعالى ، وزكريا مفعول أي جعله كافلا لها رضا منا لمصالحها وخفف الباقون ومدّوا زكريا مرفوعا
كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ
أي الغرفة التي بنيت لها أو المسجد أو أشرف مواضعه ومقدّمها سمي به لأنه محل محاربة الشيطان كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس
وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً
جواب كلما وناصبه روي أنه كان لا يدخل عليها غيره وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب ، وكان يجد عندها فاكهة الشتاء في
شرح
بالقبول ، وقوله : أي بوجه حسن إشارة لتوجيه دخول الباء فإنه يرد عليه أنه مصدر ويجب نصبه بأن يقال تقبلها قبولا ولذا جعل بعضهم الباء زائدة فبين أن فعولا يكون للآلة التي يفعل بها الفعل كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلد فليس مصدرا هنا حتى يدعي زيادة الباء ، والنذائر جمع نذيرة بمعنى منذورة ، والتاء كتاء النطيحة ، وهو ضمير عائد لوجه ، وقوله : أو تسلمها مصدر معطوف على إقامتها وتفسير آخر للوجه ، والسدانة مصدر بمعنى الخدمة ، وقوله : روي الخ بيان للتسلم المذكور ، وقوله : وصاحب قربانهم هو من تسلم له ليصفها وتنزل النار فتأكلها كما كان ذلك لهم ولذلك ورد في وصف أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قربانهم دماؤهم أي الذبح لا أكل النار ، وقوله : عندي خالتها مر ما فيه ، وطفا بمعنى علا على الماء ، وضده رسب . قوله :
( ويجوز أن يكون مصدرا الخ ) أي هو مصدر على تقدير مضاف أي رضي بها ملتبسة بأمر ذي قبول ووجه ذي رضا وهو ما يقيمها مقام الذكور لما اختصت به من الإكرام ، وهو جواب آخر ، ثم جوز أن يكون تفعل بمعنى استفعل كتعجل بمعنى استعجل أي واستقبلها وتلقاها وهذا جواب آخر ، قال ابن المنير في تفسيره : فيكون القبول عبارة عن أوله واستقباله وتقبلها بمعنى استقبلها بأوّل وهلة من ولادتها وأظهر الكرامة فيها حينئذ ، وفي المثل خل الأمر بقوابله أي بأوائله انتهى ، وقوله : ويجوز أن يكون مصدرا جواب ثالث . قوله : ( مجاز عن تربيتها الخ ) أي هو استعارة أو مجاز مرسل بعلاقة اللزوم فإنّ الزارع لا يزال يتعهد زرعه بسقيه وحمايته عن الآفات وقلع ما يخنقه من النباتات ، وقوله : على أنّ الفاعل هو اللّه أي الضمير العائد على اسم اللّه وهو الرب ، وليس مراده على لفظ الجلالة المفهوم من الكلام حتى يقال إنه لا حاجة إليه مع أنه خلاف الظاهر وزكريا فيه لغات المد والقصر وزكرى بترك الألف ومنعه من الصرف