تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
فإنّ تعليق الأمر بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة والصفح بعدها فالآية كما هي حجة عليهم ، فهي حجة على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك ، وأنّ صاحب خالد في النار
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً
ارتكب ما يستحقر دونه الآثام ، وهو إشارة إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب ، والافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل وكذلك الاختلاق
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ
يعني أهل الكتاب قالوا نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، وقيل : ناس من اليهود جاؤوا بأطفالهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : هل على هؤلاء ذنب قال : « لا » قالوا : واللّه ما نحن إلا كهيئتهم ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل ، وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار وفي معناهم من زكى نفسه وأثنى عليها
بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
تنبيه على أنّ تزكيته هي المعتدّ بها دون تزكية غيره ، فإنه العالم بما ينطوي عليه الإنسان من حسن وقبيح ، وقد ذمّهم وزكى المرتضين من عبادة المؤمنين ، وأصل التزكية نفي ما يستقبح
شرح
الأوّل للمحافظة على عمومه فإن حذفه يفيد ذلك فذكر أنه لا وجه للمحافظة عليه في أحدهما دون الآخر وأما كونه من التنازع كما قرّره النحرير فغير متوجه مع اختلاف متعلق المشيئة فيهما وما ذكره لتوجيهه تعسف لا يصلح ما أفسده الدهر . قوله : ( ونقض لمذهبهم الخ ) ردّه صاحب الكشف فقال : وما قاله بعض الجماعة من أنّ التقييد بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة ووجوب الصفح بعدها لم يصدر عن ثبت لأنّ الوجوب بالحكمة يؤكد المشيئة عندهم ، وأيضا فإنه أشار بتمثيله بأنّ الأمير يبذل القنطار لمن يشاء ، ولا يبذل الدينار لمن لا يشاء بأنّ المشيئة بمعنى الاستحقاق وهي تقتضي الوجوب ، وتؤكده كما قاله المدقق فلا يرد ما ذكره رأسا ووجه إلزام الخوارج يفهم من التقابل فافهم . قوله : ( ارتكب ما يستحقر دونه الآثام ) هذا من جعله عظيما بعظمته وأنه أكبر الكبائر يقتضي التخليد به دون غيره . قوله : ( والافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل وكذلك الاختلاق ) الافتراء من الفرى وهو القطع ، ولأنّ قطع الشيء مفسدة له غالبا غلب في الإفساد واستعمل في القرآن في الكذب والشرك والظلم كما قاله الراغب : فهو ارتكاب ما لا يصح أن يكون قولا أو فعلا فيقع على اختلاق الكذب وارتكاب الإثم كما هنا وهو مشترك فيهما ، وقيل الأظهر أنه حقيقة في اختلاق الكذب أي تعمده مجاز في افتعال ما لا يصح مرسل أو استعارة ، ولا يلزمه الجمع بين الحقيقة والمجاز هنا لأنّ الشرك أعم من القولي والفعلي لأنّ المراد معنى عام وهو ارتكاب ما لا يصح كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه تعالى . قوله : ( يعني أهل الكتاب الخ ) أحباء جمع حبيب بمعنى محب أو محبوب ، وقوله : إلا كهيئتهم فيه تجوّز أي إلا بصفتهم من أنه لا يكتب عليهم ذنب لأنّ أعمال ليلنا تكفر ما في النهار وعكسه ، وتزكية النفس مذمومة عند اللّه وعند الناس إلا لغرض صحيح كالتحدّث بالنعمة ونحوه ، وقوله دون تزكية غيره أي تزكية غيره لا يعتدّ بها إذا خالفت تزكيته فلا ينافي قبول التزكية من الناس كما مرّ والتزكية في الأصل التطهير والتبرئة من القبيح فعلا كقوله :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها[ سورة الشمس ، الآية : 9 ] وقوله :خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 286 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي