قليل التشكي للمهم يصيبه
أو إلا قليلا منهم آمنوا ، أو سيؤمنون
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها
من قبل أن نمحو تخطيط صورها ، ونجعلها على هيئة أدبارها يعني الأقفاء ، أو ننكسها إلى ، ورائها في الدنيا أو في الآخرة ، وأصل الطمس إزالة الأعلام الماثلة ، وقد يطلق بمعنى الطلس في إزالة الصورة ، ولمطلق القلب ، والتغيير ، ولذلك قيل معناه ممن قبل أن نغير وجوها ، فنسلب وجاهتها وإقبالها
شرح
وقيل خبره مقدّر . قوله : ( إلا إيمانا قليلا الخ ) قليلا جوّز فيه أن يكون منصوبا على الاستثناء من لعنهم اللّه أي لعنهم اللّه إلا قليلا منهم آمنوا فلم يلعنوا أو من فاعل لا يؤمنون ، والقليل عبد اللّه ابن سلام رضي اللّه عنه وأضرابه ، وكان الوجه فيه الرفع على البدل لأنه من كلام غير موجب .
أو هو صفة مصدر محذوف أي إلا إيمانا قليلا لأنهم وحدوا وكفروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وشريعته فالإيمان بمعنى التصديق لا الإيمان الشرعي ، أو أنّ المراد بالقليل كما ورد في قول الشاعر ، قليل التشكي بمعنى لا تشكي ، له والمراد أنهم لا يؤمنون إلا إيمانا معدوما أمّا على حد لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى أي إن كان المعدوم إيمانا فهم يحدثون شيئا من الإيمان فهو من التعليق بالمحال ، أو أنّ ما أحدثوه منه لما لم يشتمل على ما لا بد منه كان معدوما انعدام الكل بجزئه واستعمال القلة في العدم لعدم الاعتداد به ودخوله بقلته طريق الفناء وبهذا التقرير سقط ، ما قيل أنّ القلة وإن استعملت في العدم في قولهم قلما يقول ذلك أحد ، وأقل رجل يفعل ذلك غير أنّ التركيب الاستثنائي يأباه إذا قلت لم أقم إلا قليلا إذ معناه انتفاء القيام إلا القليل ، أما أنك تنفي ، ثم توجب ثم تريد بالإيجاب بعد النفي نفيا فلا لأنه يلزم أن تكون إلا وما بعدها لغوا لأنّ النفي فهم مما قبله فأي فائدة فيه . قوله : ( قليل التشكي للمهم يصيبه )كثير الهوى شتى النوى والمسالكهو من الحماسة وقائله تأبط شرا وقيل أبو كبير الهذلي أي هو كثير الهم مختلف الوجوه والطرق لا يقف أمله على فنّ واحد بل يتجاوزه إلى فنون مختلفة صبور على النوائب لا يكاد يتشكى منها فاستعمل لفظ قليل وأراد به نفي الكل وقوله : ( إلا قليلا منهم آمنوا ) إشارة إلى أنه مستثنى من لا يؤمنون ومرّ ما فيه . قوله : ( من قبل أن نمحو تخطيط صورها الخ ) المراد بتخطيط الصور ما صوره الباري بقلم قدرته في الوجه من الحاجب والأنف ونحوه وطمسها أن تسوّي وتجعل كإدبارها أي ما خلفها ، وهو القفا فإنه لا تصوير فيه فحينئذ يكون الطمس والردّ على الأعقاب واحدا فلا يناسب عطفه بالفاء إلا أن يؤوّل نطمس بنريد الطمس أو يجعل من عطف المفصل على المجمل ، وقوله : أو ننكسها الخ أي نجعل العيون وما معها في القفا فنقلب صورهم وهذا إما مسخ في الدنيا أو أنه يكون في الآخرة لتشهيرهم . قوله : ( وأصل الطمس إزالة الإعلام الماثلة الخ ) الماثلة بالثاء المثلثة بمعنى المنتصبة في الطرق علامة لها