أو اسمع كلاما غير مسمع إياك لأنّ أذنك تنبو عنه ، فيكون مفعولا به ، أو اسمع غير مسمع مكروها من قولهم أسمعه فلان إذا سبه ، وإنما قالوه نفاقا
وَراعِنا
انظرنا نكلمك ، أو نفهم كلامك
لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ
فتلا بها وصرفا للكلام إلى ما يشبه السب ، حيث وضعوا راعنا المشابه لما يتسابون به موضع انظرنا ، وغير مسمع موضع لا سمعت مكروها ، أو فتلا بها وضما ما يظهرون من الدعاء ، والتوقير إلى ما يضمرون من السب ، والتحقير نفاقا
وَطَعْناً فِي الدِّينِ
استهزاء وسخرية
وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا
ولو ثبت قولهم هذا مكان ما قالوه
لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ
لكان قولهم ذلك خيرا لهم وأعدل ، وإنما يجب حذف الفعل بعد لو في مثل ذلك لدلالة أنّ عليه ، ووقوعه موقعه
وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
ولكن خذلهم ، وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم
فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
إلا إيمانا قليلا لا يعبأ به ، وهو الإيمان ببعض الآيات والرسل ، ويحتمل أن يراد بالقلة العدم كقوله :
شرح
المفعول المقدّر جوابا يوافقك أو كلاما لا ترضاه ، وليس كذلك ولا يخفى عليك أنه إذا قيل اسمع جوابا غير مسمع بمعنى كونه غير موافق للمخاطب لم يستقم إلا بأن يجعل عدم سماعه عبارة عن نبوّ السمع عنه ، وكان هذا هو الوجه الثالث لا الثاني وقوله :غَيْرَ مُسْمَعٍإياك إشارة إلى تقدير المفعول الأوّل على هذا الوجه ، وقوله : فيكون مفعولا به أي غير مسمع ، وعلى ما قبله هو حال وقولهم : أسمعه بمعنى سبه كذا قال الراغب : وكان أصله أسمعه ما يكره فحذف مفعوله نسيا منسيا وتعورف في ذلك . قوله : ( وراعنا انظرنا ) أو اسمع كلامنا ، وهو مشابه لكلمة سب عندهم إما لأنها من الرعونة أو لأشياعهم يعنون راعينا تحقيرا له بأنه بمنزلة خدمهم وعان غنمهم ، وقوله : نفاقا لأنه مما يحتمل الذم والمدح لا ينافي قولهم سمعنا وعصينا لأنه مجاهرة لإنفاق لاحتمال أنهم قالوه فيما بينهم أو لم يقولوه لكن أشبهت حالهم من يقوله ، وأيضا المجاهرة بالعصيان لا تنافي نفاقهم بإيهام الدعاء له وعدم إظهار سبه . قوله : ( فتلا بها وصرفا للكلام الخ ) الفتل والليّ يكون بمعنى الانحراف والالتفات والانعطاف عن جهة ، إلى أخرى كما في قوله تعالى :إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ[ سورة آل عمران ، الآية : 153 ] ويكون بمعنى ضم إحدى نحو طاقات الحبل على الأخرى فأشار المصنف رحمه اللّه إلى أنه يجوز أن يكون من الأوّل ومعناه ، صرف الكلام عن جانب المدح إلى جانب السب أو المراد أنهم يضمون أحدهما إلى الآخر ، والحامل عليه كله النفاق وهو مفعول لأجله أو حال وظاهر كلامه الأوّل ، وفسر الطعن بالاستهزاء وأصله الوخز والوقيعة من طعن بالرمح . قوله : ( ولو ثبت قولهم هذا الخ ) بأن قالوا :سَمِعْنا وَأَطَعْنامكان سمعنا وعصينا واسمع فقط مكان اسمع غير مسمع وانظرنا مكان راعنا ، واسم كان ضمير المصدر المؤوّل وقوله :خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَأي مما طعنوا وفتلوا ولا يخفى موقع أقوم في مقابلة الفتل ، وجعله فاعل ثبت المقدّر لدلالة أنّ عليه إذ هي حرف توكيد وثبت حل في محله وهو مذهب المبرد ، وقيل : إنه مبتدأ لا خبر له