فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ
أي فتعمدوا شيئا من وجه الأرض طاهرا ، ولذلك قالت الحنفية : لو ضرب المتيمم يده على حجر صلد ومسح أجزاه وقال أصحابنا : لا بد أن يتعلق باليد شيء من التراب لقوله تعالى في المائدة :
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ
[ سورة المائدة ، الآية : 6 ] أي من بعضه وجعل من لابتداء الغاية تعسف إذ لا يفهم من نحو ذلك إلا التبعيض ، واليد اسم العضو إلى المنكب ، وما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه . والقياس على الوضوء دليل على أنّ المراد هاهنا وأيديكم إلى المرافق
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً
فلذلك يسر الأمر عليكم ورخص لكم
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا
من رؤية البصر أي ألم تنظر إليهم أو القلب وعدى بإلى لتضمن معنى الانتهاء
نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ
حظا يسيرا من علم التوراة ، لأنّ المراد أحبار اليهود
يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ
يختارونها على الهدي أو يستبدلونها به بعد تمكنهم منه ، أو حصوله لهم بإنكار نبوّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقيل يأخذون الرشا ، ويحرّفون التوراة
وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا
أيها المؤمنون
السَّبِيلَ
سبيل الحق
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
شرح
أهل اللغة ، وقوله :فَتَيَمَّمُواجزاء للشرط والضمير راجع إلى جميع ما اشتمل عليه ولا حاجة إلى تقدير جزاء لقوله تعالى :جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْوكون التبعيض ظاهرا في مسحت منه أي ببعضه هو المتبادر وهو يقتضي التراب ، والحنفية يحملونه على الابتداء أو الخروج مخرج الأغلب ، وقيل : الضمير للحدث المفهوم من السياق ، ومن للتعليل أو لابتداء الغاية ، وقوله : من وجه الأرض تفسير على المذهبين . قوله : ( واليد الخ ) اليد مشتركة بين معان من أطراف الأصابع إلى الرسغ ، وإلى المرفق ، وإلى الإبط وهل هو حقيقة في واحد منها مجاز في غيره أو حقيقة فيها جميعا رجح بعضهم الثاني ولذا ذهب إلى كل منها بعض السلف هنا لكن مذهبنا ومذهب الشافعيّ والجمهور أنه إلى المرفقين ، والرواية التي أشار إليها حديث أبي داود وهو وإن قيل ضعيف لكنه مؤيد بالقياس على الوضوء الذي هو أصله وإنه أحوط ، وقوله : فلذلك يسر الأمر إلى آخره قيل لو فسر العفو بالميسر من العفو بمعنى السهل لكان أنسب كما في التيسير ولا يخفى أنّ العفو المقرون بالمغفرة يقتضي خلافه فهو كالتعليل لقوله :وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضىالخ والعفو والغفران يستدعيان سبق جرم وليس في تلك الأعذار ما يشم منه رائحته فلا يصح إجراؤه على ظاهره فوجب العدول إلى تجعله كناية عن الترخيص ، والتيسير لأنه من توابعه ويؤيده مجيء قوله :ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ[ سورة المائدة ، الآية : 6 ] في المائدة بعده وأدمج فيه أنّ الأصل فيها الطهارة الكاملة وأنّ غيرها من الرخص من العفو والغفران . قوله : ( من رؤية البصر الخ ) يعني الرؤية إما بصرية وتعديتها بإلى حملا لها على نظر أو علمية وضمن معنى الانتهاء أي ألم ينته علمك إليهم ، وقوله : حظا يسيرا أخذ القلة من التنوين وأما حمله على التكثير والكتاب على القرآن فخلاف الظاهر . قوله : ( يختارونها ) يعني أنه استعارة أو مجاز مرسل في لازم معناه إما للاختيار أو الاستبدال وعلى كل فمتعلقه محذوف ، وقوله بعد تمكنهم إشارة إلى دفع ما يتوهم من أنهم ليس لهم هدي فيستبدلوه بأن التمكن جعل بمنزلة