تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
من ضلع من أضلاعه أو محذوف تقديره من نفسه واحدة خلقها ، وخلق منها زوجها ، وهو تقرير لخلقهم من نفس واحدة
وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً
بيان لكيفية تولدهم منهما والمعنى ، ونشر من تلك النفس والزوج المخلوقة منها بنين ، وبنات كثيرة واكتفى بوصف
شرح
الأصل مثل الفرع في المخلوقية ، ولذا عبر بالزوج للإشعار بالوحدة الجنسية والأصل أوّل الإفراد ، والمبدئية ليست بطريق المادّية والمقصود تفصيل الناس أي جميع بني آدم الماضين منهم والحاضرين والآتين على التغليب في أمر الاتقاء ، إذ لا يتصوّر أمر الماضين بذلك بل الآتين أيضا على الحقيقة كما حقق في الأصول في خطاب المشافهة ، وما قيل : إنه لا يبعد أن يكون الأمر بالتقوى عامّا لجميع الأمم بالنسبة إلى الكلام القديم القائم بذاته تعالى وإن كان كونه عربيا عارضا بالنسبة إلى هذه الأمة لا وجه له لأن المنظور إليه أحكامه بعد النزول وإلا لكان النداء وجميع ما فيه من خطاب المشافهة مجازات ولا قائل به ، وقيل المراد بالمخاطب من بعث إليهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأنهم المأمورون بالاتقاء حقيقة أو العرب كما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما لأنّ دأبهم التناشد بالأرحام وإن دفع بأنه تغليب أو الخطاب الأول عام والثاني خاص ، وإذا كان المراد بالرجال والنساء ما سوى هؤلاء المخاطبين تغايرت المتعاطفات ، وسيأتي في سورة الزمر أنه يجوز عطفه على واحدة ، والمصنف رحمه اللّه خالفه فذهب في الناس إلى العموم ، وجعل ما بعده معطوفا عليه من غير تقدير ، وذكر ما سلكه مؤخرا إشارة إلى مرجوحيته ، ولم يلتفت إلى ما جنح إليه على ما قرّرناه لك ، وهو زبدة ما في شروحه بناء على أن العموم هو المتبادر منه وأنّ التقدير خلاف الظاهر وما رآه محذورا لا توجه له عنده لأنّ اللازم في العطف تغاير المعطوفات لا ما صدقت عليه ، كما قال في التقريب فلا تكرار في هذا إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس خلق زوجها منه ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعا ، وإليه يشير قوله بيان لكيفية تولدهم منهما أو أنّ العطف بيان خلقهم ، وتفصيله بأنه خلق حوّاء منه ثم بث منهما الذكور والإناث ، ولما كان في البيان زيادة خلق حوّاء وتنويعهم وذكر توالدهم كان أوفى من معنى الأوّل وأزيد ، فجاز عطفه وإن كان بيانا لمغايرته له من وجه ، كما قالوه في قوله تعالى :يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ[ سورة البقرة ، الآية : 49 ] مع أنه بيان على ما حقق في المعاني ، فلكل وجهة هو موليها . واعلم أنّ المراد بالتقوى شكر اللّه على ما ألبسهم من حلل الوجود ، وكذا ذكره بعنوان الربوبية وما بعده بالألوهية لا أن المراد بالتقوى الخوف فاعرفه فإنه من النفائس . قوله : ( من ضلع من أضلاعه ) هذا هو الصحيح كما مرّ ، وهو من حديث رواه الشيخان ، وهو : « استوصوا بالنساء خيرا فإنهنّ خلقن من ضلع وإن أعوج شيء من الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوج » « 1 » وجعله تقريرا وتأكيدا لوحدة الأصل لأنّ خلق حوّاء منه يقتضي
هامش
( 1 ) هو المتقدم .