الصبر على مخالفة الهوى ، وتخصيصه بعد الأمر بالصبر مطلقا لشدّته
وَرابِطُوا
أبدانكم ، وخيولكم في الثغور مترصدين للغزو ، وأنفسكم على الطاعة كما قال عليه الصلاة والسّلام :
« من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة » وعنه عليه السّلام : « من رابط يوما وليلة في سبيل اللّه تعالى كان كعدل صيام شهر رمضان وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة »
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
فاتقوه بالتبري عما سواه لكي تفلحوا غاية الفلاح أو واتقوا القبائح لعلكم تفلحون بنيل المقامات الثلاثة المترتبة التي هي الصبر على مضض الطاعات ، ومصابرة النفس في رفض العادات ، ومرابطة السرّ على جناب الحق لترصد الواردات المعبر عنها بالشريعة ، والطريقة والحقيقة . عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم » وعنه عليه الصلاة والسّلام : « من قرأ السورة الذي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلّى اللّه عليه وملائكته حتى تجب الشمس » واللّه أعلم .
شرح
المجاهدة للعدوّ أو لاعدى الأعداء يعني النفس لأنه الجهاد الأكبر ، وذكره بعد الصبر العام لأنه أشد فيكون أفضل فهو كعطف جبريل على الملائكة والصلاة الوسطى على الصلوات . قوله :
( أبدانكم وخيولكم الخ ) المرابطة نوع من الصبر فهو كالعطف السابق ، وروي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنّ الرباط أفضل من الجهاد لأنه حقن دماء المسلمين والجهاد سفك دماء المشركين ولذا ورد أنه لا يسئل في قبره « 1 » وانتظار الصلاة عدّ من الرباط والثغور وأطراف ممالك الإسلام التي يخاف فيها من العدوّ وقوله : ( من رابط الخ ) رواه مسلم « 2 » وغيره والرباط مصدر ربطت الدابة ومصدر رابط المرابطة ، والمرابطة ضربان مرابطة الثغور ومرابطة النفوس ، والعدل بالفتح المثل من غير جنس ، وبالكسر منه فهو بالفتح هنا ، وقال : الراغب العدل والعدل متقاربان لكن العدل يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام ، والعدل فيما يدرك بالحس كالموزونات ، وقوله : إلا لحاجة متعلق بالفعلين ، وقوله : ولا ينفتل عن صلاته أي لا ينصرف عنها والمراد أنه معادل لصوم رمضان وقيامه . قوله : ( فاتقوه بالتبري عما سواه الخ ) المضض الألم ، والمعبر عنها صفة المقامات فالصبر على الطاعات المرتبة الأولى التي هي الشريعة ورفض العادات التي هي الطريقة الثانية والمرابطة على جنات الحق التي هي الحقيقة الثالثة ، وأوّل تفسيره ناظر إلى هذه . قوله : ( من قرأ سورة آل عمران الخ ) « 3 » تجب الشمس بمعنى
هامش
( 1 ) انظر صحيح مسلم 1913 .
( 2 ) أخرجه مسلم 1878 وأحمد 2 / 459 وابن حبان 4627 من حديث أبي هريرة ، وفي الباب أحاديث كثيرة .
( 3 ) أخرجه ابن الجوزي في « الموضوعات » 1 / 239 - 240 من حديث أبي بن كعب ، وقال : وقد فرق هذا الحديث أبو إسحق الثعلبي في « تفسيره » فذكر عند كل سورة ما يخصها منه ، وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك ، ولا أعجب منهما لأنهما ليسا من أصحاب الحديث . وإنما عجبت من أبي بكر بن أبي داود كيف مزقه في كتابه « فضائل القرآن » وهو يعلم أنه محال وهذا حديث فضائل السور مصنوع بلا شك اه باختصار .