ولكنّ أي ولكن أنفسهم يظلمونها ولا يجوز أن يقدّر ضمير الشأن لأنه لا يحذف إلا في ضرورة الشعر كقوله :
ولكنّ من يبصر جفونك بعشق
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً
وليجة وهو الذي يعرفه الرجل أسراره ثقة به شبه ببطانة الثوب كما شبه بالشعار قال عليه الصلاة والسلام : « الأنصار شعار ، والناس دثار »
مِنْ دُونِكُمْ
من دون المسلمين ، وهو متعلق بلا تتخذوا أو بمحذوف هو صفة بطانة أي بطانة كائنة من دونكم
لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا
أي لا يقصرون لكم في الفساد ، والألو التقصير وأصله أن يعدّى بالحرف ، وعدّى إلى مفعولين كقولهم لا آلوك نصحا على تضمين معنى
شرح
هو لضرورة مرجع الضمير وأنه إذا صرّح بتشبيه المثل بالمثل لزم أن يراعي فيما يضاف إليه المثل من الجانبين المماثلة ولذا قدّر في هذه الآية المهلك أو الإهلاك على أنه من المركب الحسيّ أو العقليّ ، والوجه قلة الجدوى والضياع ، ويجوز أن يكون من التشبيه المفرد فيشبه إهلاك اللّه بإهلاك الريح والمنفق بالحرث وجعل اللّه أعمالهم هباء بما في الريح الباردة من جعله حطاما ومهلك على صيغة المفعول . قوله : ( وقرئ ولكنّ الخ ) وتقديم أنفسهم على القراءتين للفاصلة لا للحصر وإلا لا يتطابق الكلام لأنّ مقتضاه ما ظلمهم اللّه ولكن هم يظلمون أنفسهم لا أنهم يظلمون أنفسهم لا غيرهم ، وعلى قراءة التشديد أنفسهم اسمها وجملة يظلمون خبرها والعائد محذوف تقديره يظلمونها وليس مفعولا مقدّما واسمها ضمير الشأن لما ذكر وقوله :
( ولكنّ الخ ) من قصيد للمتنبي يمدح بها سيف الدولة أوّلها :لعينيك ما يلقي الفؤاد وما لقي * وللحبّ ما لم يبق مني وما بقيومنها :وما كنت ممن يدخل العشق قلبه * ولكنّ من يبصر جفونك يعشقومن شرطية لجزمها الفعل ، ولا تدخل عليها النواسخ لصدارتها ولأنها تبقى بلا خبر .
قوله : ( وليجة وهو الذي الخ ) الوليجة من الولوج فهي ما كان داخل الشيء كالبطانة التي تلي الجسد فاستعيرت لمن اختص بك بدلالة قولهم ليست فلانا إذا اختصصته ، والشعار بالكسر اللباس الذي يلي الجسد لأنه يلي شعره والدثار هو اللباس الذي يكون فوقه ، وسمي شعارا لأنه علامة لصاحبه وقوله : ( عليه الصلاة والسّلام الخ ) رواه الشيخان قاله صلّى اللّه عليه وسلّم حين فتح حنينا في حديث طويل أي أنهم الخاصة والبطانة وغيرهم العامة والدثار . قوله : ( من دون المسلمين الخ ) يعني الضمير للمسلمين ومن دونكم إمّا بمعنى غيركم لأنّ دون بمعنى غير كقوله تعالى :أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ[ سورة المائدة ، الآية : 116 ] أي غير اللّه أو بمعنى إلا دون والدني أي ممن لم تبلغ منزلته منزلتكم في الشرف والديانة . قوله : ( لا يقصرون الخ ) يعني إلا لو التقصير والخيال الفساد مطلقا ، وأصله الفساد الذي يلحق الحيوان فيورثه اضطرابا