ثم دار الثواب لما فيها من الجنان وقيل سميت بذلك لأنه ستر في الدنيا ما أعدّ فيها للبشر من أفنان النعم كما قال سبحانه وتعالى :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
[ سورة السجدة ، الآية : 17 ] وجمعها وتنكيرها لأنّ الجنان على ما ذكره ابن عباس سبع جنة الفردوس وجنة عدن وجنة النعيم ودار الخلد وجنة المأوى ودار السلام وعليون وفي كل واحدة منها مراتب ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال واللام تدلّ على
شرح
غاية البعد من غير احتياج إليه ، وقوله لما فيه الخ بيان للمناسبة في إطلاقه أو للعلاقة فإن كان اسما للأرض فقط فمن إطلاق الحالّ على المحل وإن كان للمجموع فمن إطلاق الجزء على الكلّ وفيه محتمل لهما ، والمتكاثفة بمعنى المتلاصقة الملتفة لكثرتها مستعار من الكثافة المقابلة للطاقة والرقة يقال ماء كثيف وشجر كثيف كما قال أمية :وتحت كثيف الماء في باطن الثرى * ملائكة تنحط فيه وتصعدقوله : ( ثم دار الثواب لما فيها الخ ) دار الثواب هي الدار الآخرة ، وهي في مقابلة الدنيا التي هي دار التكليف ، والنار التي هي دار العقاب وهو منقول إليها لأنه حقيقة شرعية وهو المتبادر منها حيث ذكرت وبين المناسبة بينه وبين المنقول عنه بوجهين ، والجنان بالكسر جمع جنة بمعنى أرض ذات أشجار وحدائق أو أشجار أو لما فيها من النعيم الذي لا عين نظرت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر مما هو مغيب ومستور عنا الآن ، فلذا سميت جنة لاستتار ما فيها وإن كانت موجودة الآن وافنان يكون جمع فنن بمعنى غصن وجمع فنّ بمعنى ضرب ونوع هذا هو المراد هنا ، والغالب فيه جمعه على فنون والجنة من الأسماء الغالبة على الدار الآخرة إلا أنّ غلبتها لم تصل إلى حدّ العلمية لأنها تعرّف وتنكر وتجمع وتوصف بها أسماء الإشارة في نحو تلك الجنة ، وإنما جمعت بهذا المعنى لأنها كما تطلق على المجموع تطلق على أماكن منها وعلى القدر المشترك بينهما ولولاه لم تصح الجمعية هنا وإلى هذا أشار المصنف رحمه اللّه بقوله وجمعها الخ وأيده بالنقل عن سيد المفسرين ابن عباس رضي اللّه عنهما ففيها جنان على مراتب متفاوتة بحسب استحقاق أصحابها وتفاوت رتبهم في الشرف كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو ظاهر والعمال جمع عامل والمراد به من عمل الصالحات خيرة خلقه وفيما نقله عن ابن عباس رضي اللّه عنهما من أنها سبع إشارة إلى وجه اختيار جنات فإنه جمع قله على الصحيح كما مرّ على جنان كما قيل : وما نقله عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنكره السيوطيّ رحمه اللّه وقال إنه لم يوجد في شيء من كتب الحديث قيل : وفي قوله أفنان الخ إشارة إلى أنّ تنكير جنات للتنويع ، ويحتمل أن يكون للتعظيم أي جنات لا يكتنه وصفها . قوله : ( واللام تدلّ على استحقاقهم الخ ) يعني أنها لام استحقاق واللّه تعالى لا يجب عليه شيء فهو جار على عوائد إحسانه وفضله في الإثابة بوعده الذي لا يخلفه ، وقوله : لا لذاته ليس لبيان معنى اللام الموضوعة لمطلق الاستحقاق بل لبيان أنه مراد منه أحد فرديه والضمير المضاف إليه ذات راجع لما وهو ردّ لما في الكشاف من إشارته لمذهب المعتزلة