وتعالى :
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ
[ سورة البقرة ، الآية : 217 ] وقوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
[ سورة الزمر ، الآية : 65 ] وأشباه ذلك ولعله سبحانه وتعالى لم يقيد ههنا استغناء بها
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
شرح
أحدهما بالآخر إذ ليس زوال الباقي بطريان الطارىء أولى من اندفاع الطارىء بقيام الباقي والمخلص أن لا يجب عقلا ثواب المطيع ولا عقاب العاصي وأجيب بمنع عدم الأولوية فإنّ الطارئ إذا وجد امتنع عدمه مع الوجود ضرورة امتناع الوجود والعدم ووجوده يستلزم عدم الباقي أعني العدم بعد الوجود وهو ليس بمحال وبأنه منقوض بانتفاء الشيء يطريان ضدّه كالحركة بالسكون والبياض بالسواد ، وأيضا الإحباط مما نطق به الكتاب فكيف يكون باطلا واعترض عليه بأنّ مراد الإمام أنّ إبطال حكم أحدهما بحكم الآخر ليس أولى من الآخر لا ابطال الذات بالذات إلا إنه إذا بطل الأصل بطل الحكم المترتب عليه ثم إن مراده أن القول بالإحباط مطلقا كما في الكشاف باطل فلا ينافي في نطق الكتاب به فيما هو مخصوص أو مؤوّل وليس هذا كله كلاما محررا فمن أراد تهذيبه وتحريره فلينظر رسالة الإحباط التي حرّرناها ثم إنّ إحباط الأعمال بالكفر مطلقا مذهب أبي حنيفة استدلالا بقوله تعالىوَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ[ سورة المائدة ، الآية : 5 ] ومذهب الشافعي أنه لا يكون محبطا إلا بالموت على الكفر لقوله تعالىفَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌفيحمل المطلق على المقيد على أصله وقوله ولعله لم يقيد الخ أي استغنى بتلك الآيات الدالة على الإحباط بالشرك المقتضي لعدم استحقاق الجنة . قوله : ( أي من تحت أشجارها الخ ) العادة الإلهية جارية بانخفاض مكان المياه الجارية كما قيل :فالسيل حرب للمكان العاليفإن أريد بالجنة الأشجار فذاك مع ما فيه قريب فبالجملة وإن أريد بها الأرض فلا بدّ من التأويل بتقدير مضاف أي من تحت أشجارها أو يعود الضمير إليها باعتبار الأشجار استخداما ونحوه وقيل : إن تحت بمعنى جانب صرّح به ابن عطية . وقال : هو كقولهم داري تحت دار فلان وضعفه بعضهم وقال ابن الصائغ رحمه اللّه : لما كانت تجري من تحت الأشجار المظللة قيل من تحتها أو أنها لما سقتها صدق أنها جرت من تحتها وقال صاحب التقريب : معناه من تحت أشجارها أو منازلها ويحتمل أنّ منابعها من تحت الجنات وقد قال أبو البقاء : من تحت أرضها فلا وجه لمنع ابن الجوزي له ، وقال أبو علي : من تحت ثمارها وهو بعيد وقال الغزنويّ من تحت أوامر أهلها كقوله وهذه الأنهار تجري من تحتي . قوله : ( كما تراها جارية تحت الأشجار الخ ) عدل عن قوله في الكشاف كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار إلى ما هو أظهر وإن وجه بأنه قصد تشبيه الهيئة بالهيئة فلا يضرّه تقديم بعض المفردات على بعض أو تأخيره والشاطئ مهموز الآخر كالساحل وزنا ومعنى وجمعه شواطئ ومسروق بزنة