الهلاك وإن كان خطأ فتعاطي الذنوب لا يبعد أن يفضي إلى العقاب وإن لم تكن له عزيمة لكنه سبحانه وتعالى وعد التجاوز عنه رحمة وفضلا فيجوز أن يدعو الإنسان استدامة واعتدادا بالنعمة فيه ويؤيد ذلك مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان »
رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً
عبأ ثقيلا يأصر صاحبه أي يحبسه في مكانه يريد التكاليف الشاقة وقرئ ولا تحمل بالتشديد للمبالغة
كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا
حملا مثل حملك إياه من قبلنا أي مثل الذي حملته إياهم فيكون صفة لا صرا والمراد به ما كلف به وإسرائيل من قتل الأنفس وقطع موضع النجاسة وخمسين صلاة في اليوم والليلة وصرف ربع المال للزكاة أو ما أصابهم من الشدائد والمحن
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا
شرح
التكليف بغير المقدر وجائز عقلا غير واقع فضلا من اللّه وإلا فلا يكون ترك المؤاخذة على الخطأ والنسيان فضلا يستدام ونعمة يعتد بها والمحققون من أهل السنة والمعتزلة على خلافه والتزامه ، وأنّ الجواب الأوّل مبنيّ على المشهور وهذا على خلافه أسهل من الجواب بأنّ غير المقدر وهو نفس الخطأ والنسيان وليس الكلام في المؤاخذة عليه بل على الفعل المترتب عليه كقتل مسلم ظنه غير معصوم ونحوه مما يكون ترك المؤاخذة عليه فضلا من اللّه تعالى والعزيمة القصد المصمم ، وقوله : فيجوز الخ فهو على أسلوب قوله تعالى :اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ[ سورة الفاتحة ، الآية : 5 ] أو أنه من باب التحدّث بالنعمة اعتناء بها كما قال تعالى :وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ[ سورة الضحى ، الآية : 10 ] قال الطيبي : وهذا تكلف ، وقد روي في مسلم أنّ هذه الآية ناسخة لقوله :وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ[ سورة البقرة ، الآية : 1 ] الآية فكما أنّ الخطرات والوساوس محلها النفس كذلك معدن النسيان والخطأ النفس فلم يكن النسيان والخطأ متجاوزا عنها عقلا بل نقلا ، وفي الانتصاف رفع المؤاخذ بهما عرف بالسمع لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « رفع عن أمتي الخطأ » « 1 » الخ فلعل رفعهما كان إجابة بهذه الدعوة وقد روي أنه قيل له : عند كل دعوة قد فعلت وإنما المعتزلة يذهبون إلى استحالة المؤاخذة بذلك عقلا بناء على التحسين والتقبيح اه . قوله :
( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ) وما أكرهوا عليه وفي رواية وما استكرهوا عليه كذا وقع في كثير من الكتب وقد أخرجه الطبرانيّ في الأوسط عن ابن عمر رضي اللّه عنهما ، وقال السبكيّ : قال محمد بن نصر ليس له إسناد يحتج به ، وكذا قال غيره وقال النووي رحمه اللّه : إنه حديث حسن وفي سنن ابن ماجة بدل رفع وضع وهما متقاربان وسئل أحمد بن حنبل عنه فقال لا يصح : ولا يثبت إسناده وقال من زعم أنّ الخطأ والنسيان مرفوعان : فقد خالف كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم فإنّ اللّه أوجب في قتل النفس خطأ الكفارة وفيه نظر . قوله : ( عبأ ) كحملا لفظا ومعنى بعين مهملة وباء موحدة وهمزة بين وجه اشتقاقه وأصل معناه بما ذكره وقوله : للمبالغة فعل يجيء للتكثير والمبالغة نحو قطعت الثياب وللتعدية وقتل الأنفس في التوبة أو في القصاص لأنه كان لا
هامش
( 1 ) تقدم .