سورة البقرة في ليلة كفتاه » وهو يردّ قول من استكره أن يقال سورة البقرة وقال ينبغي أن يقال السورة التي تذكر فيها البقرة كما قال عليه الصلاة والسلام : « السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإن تعلمها بركة وتركها حسرة ولن يستطيعها البطلة » قيل وما البطلة قال السحرة .
شرح
من كثرة الخير والبركة والثواب ، وكذا الكتابة باليد تمثيل وتصوير لإثباتهما وتحققهما وتقديرهما بألفي سنة عبارة عن قدمهما لا للتحديد . قوله : ( وهو يرد الخ ) قال النووي رحمه اللّه تعالى في كناية الأذكار : نقل عن بعض المتقدّمين أنه كان يكره أن يقال سورة البقرة وسورة الدخان والعنكبوت وشبه ذلك وإنما يقال السورة التي يذكر فيها البقرة وهكذا وهو خطأ فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة « آيتان من آخر سورة البقرة » « 1 » الحديث وأشباهه كثيرة لا تحصى اه . قلت قد مر أنّ المنع من ذلك صح عنهم والاستعمال أيضا صحيح بلا شبهة ولا خطأ فيه وإنما المنع كان في صدر الإسلام لما استهزأ سفهاء المشركين بسورة العنكبوت ونحوها فمنع منه دفعا لطعن الملحدين ثم لما استقر الدين وقطع اللّه دابر القوم الظالمين شاع ذلك وساغ والشيء يرتفع بارتفاع سببه ، وقوله : « فسطاط القرآن » « 2 » الفسطاط بضم الفاء وكسرها هو الخيمة أو المدينة الجامعة أو الأوّل أصله وهذا منقول منه سميت بذلك لاشتمالها على معظم أصول الدين وفروعه وللإرشاد إلى كثير من أمور المعاش والمعاد ، وسميت السحرة بطلة جمع باطل لانهماكهم في الباطل أو لبطالتهم عن أمر الدين ومعنى عدم استطاعتهم أنهم مع حذقهم لا يوفقون لتعلمها أو لتأمل معانيها أو العمل بما فيها ، وقيل : لن يستطيعها إذا قرئت فإنها تهزمهم وتبطل سحرهم وشرهم وقيل : إنها من المعجزات التي لا تقدر السحرة على معارضتها كغيرها من المعجزات المحسوسة ، وقيل : المراد بالسحرة البلغاء كما في قوله : « إنّ من البيان لسحرا » « 3 » وهو بعيد اللهم وفقنا للوصول إلى هذا الفسطاط واجعلنا ممن استظل بظل عنايتك ورحمتك ويسر لنا خيري الدنيا والآخرة واجعل القرآن ربيع قلوبنا وجلاء أسماعنا ونزعة أرواحنا ويسر لنا إتمام ما قصدناه بإحسانك يا أرحم الراحمين وصلّ وسلم على نبيك المنزل عليه وعلى آله وأصحابه وأهل بيته آمين .
تمّ الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث أوّله سورة آل عمران
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 5051 - 5040 - 5009 ومسلم 807 - 255 والترمذي 2881 والنسائي 719 وابن ماجة 1369 كلهم من حديث أبي مسعود .
( 2 ) أخرجه الديلمي في « الفردوس » 3559 من حديث أبي سعيد وقال المناوي في « فيض القدير » 4841 وفيه إسماعيل بن أبي زياد والشامي قال الذهبي ، قال الدارقطني يضع الحديث .
( 3 ) أخرجه البخاري 875 - 876 في « الأدب المفرد » 5767 - 5146 وأبو داود 5007 والترمذي 2028 والبغوي 3393 وأحمد 2 / 16 - 62 وابن حبان 5795 كلهم من حديث ابن عمر . بلفظ ؛ « إن من البيان لسحرا ، أو إن بعض البيان سحر » .