الآية ومجّ بها أي لم يتفكر فيها واعلم أنّ دلالة هذه الآيات على وجود الإله ووحدته من وجوه كثيرة يطول شرحها مفصلا والكلام المجمل أنها أمور ممكنة وجه كل منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة وأنحاء مختلفة إذ كان من الجائز مثلا أن لا تتحرّك السماوات أو بعضها كالأرض وأن تتحرّك بعكس حركاتها وبحيث تصير المنطقة دائرة مارّة بالقطبين وأن لا يكون لها أوج وحضيض أصلا أو على هذا الوجه لبساطتها وتساوي أجزائها فلا بدّ لها من موجد قادر حكيم يوجدها على ما تستدعيه حكمته وتقتضيه مشيئته متعاليا عن معارضة غيره إذ لو كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه فإن توافقت ارادتهما فالفعل إن كان لهما لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد وإن كان لأحدهما لزم ترجيح الفاعل بلا مرجح وعجز الآخر المنافي لإلهيته وإن اختلفت لزم التمانع والتطارد كما أشار إليه بقوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ سورة الأنبياء ، الآية : 22 ] وفي الآية تنبيه على شرف علم الكلام وأهله وحث على البحث والنظر فيه
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً
من الأصنام وقيل من الرؤساء الذين كانوا يطيعونهم لقوله إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ولعلّ المراد أعمّ منهما وهو ما يشغله عن اللّه
يُحِبُّونَهُمْ
يعظمونهم ويطيعونهم
كَحُبِّ
شرح
قرأها ولم يتفكر فيها » « 1 » ، وقال الأوزاعي : التفكر فيها أن يقرأها ويعقلها وقوله : مج بها من مج الريق من فيه ، والباء لما فيه من معنى الرمي ووجه الدلالة على التفكر أنّ من تفكر فيها فكأنه حفظها ولم يلقها من فيه . قوله : ( والكلام المجمل الخ ) محتملة بفتح الميم وأنحاء بالمدّ تجمع نحو بمعنى جهة أي وجهات مختلفة والمنطقة دائرة عظيمة متساوية البعد عن القطب فلا تمرّ به والقطب رأس القطر من الجانبين والأوج أبعد بعد من المركز والحضيض يقابله ولا بدّ منهما فوجودها على هذا النمط البديع يدل على أنّ لها موجدا قادرا حكيما لا يدانيه شيء ولا يعارضه غيره وما ذكره كله مبنيّ على مدّعي أهل الهيئة ، وأهل الشرع والظاهر ما بين منكر له وساكت عنه . قوله : ( إذ لو كان معه إله يقدر الخ ) هذا برهان التمانع المذكور في الكلام وسيأتي تقريره في قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا اللّه والتطارد بمعنى التمانع ، وأصله طرد أحدهما الآخر . قوله : ( من الأصنام الخ ) فسر الأنداد هنا بالأمثال دون الأضداد إذ لم يقصد التهكم هنا وقيل : أنه لا مانع منه لكن ما بعده لا يناسبه فتأمل وهي إمّا الأصنام أو الرؤساء الذين اتبعوهم وفسر المحبة بالتعظيم والطاعة لتلازمهما كما قيل :تعصي الإله وأنت تظهر حبه * هذا لعمري في القياس بديعقوله : ( أي يسوّون الخ ) هذا مفهوم بقرينة قوله أشدّ حبا وإلا فالتشبيه لا يقتضي المساواة بل زيادة المشبه به وحب اللّه مصدر مبنيّ للفاعل مضاف إلى المفعول أو مبنيّ للمفعول ،
هامش
( 1 ) أخرجه ابن حبان في أثناء حديث طويل 620 عن عائشة مرفوعا . وصححه الشيخ شعيب الأرناؤوط .