تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
بالرهبة التي هي مقدّمة التقوى ولأن الخطاب بها لما عمّ العالم والمقلد أمرهم بالرهبة التي هي مبدأ السلوك والخطاب بالثانية لما خص أهل العلم أمرهم بالتقوى التي هي منتهاه
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ
عطف على ما قبله واللبس الخلط وقد يلزمه جعل الشيء مشتبها بغيره والمعنى لا تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذي تخترعونه وتكتمونه حتى لا يميز بينهما
شرح
غريب في اجتماعهما ولما فيه من الخفاء ذهب أكثر شراحه إلى أنّ المراد أن هذه استعارة لفظية كإطلاق المرسن على الأنف لما أنه استبدال مخصوص استعمل في المطلق لا معنوية مبنية على التشبيه إذ حينئذ تقع الرياسة في مقابلة المشتري والآيات في مقابلة الثمن عكس النظم والتمثيل بالآية في مجرّد إطلاق الاشتراء على الاستبدال ، ومنه قيل : يجوز أن يكون من باب القلب في التشبيه كما في قوله إنما البيع مثل الربا وردّ بأنه على تقدير التشبيه لا يكون ههنا إلا تشبيه استبدال الرياسة بالآيات بالاشتراء وتشبيه الرياسة لكونها مطلوبة عنده مرغوبة بالمشتري وتشبيه الآيات لكونها مبذولة في مثل الرياسة بالثمن ولم يقع قلب في شيء من التشبيهات الثلاث لأنّ معناه أن يجعل المشبه به مشبها بالعكس ، فإن قلت فعلى ما ذكرتم فلم عبر عن الرياسة بلفظ الثمن . قلت للإشارة إلى أنها تقتضي أن تكون وسيلة مبذولة مصروفة في نيل المآرب لا مرغوبة مطلوبة ببذل ما هو أعز الأشياء أعني الأيات المضافة إلى من هو منبع كل خير وكمال ، وفيه تقريع وتجهيل قويّ حيث جعلوا الأشرف وسيلة إلى الأخس وإغراب لطيف حيث جعل المشتري ثمنا بإطلاق لفظ الثمن عليه ثم جعل الثمن مشتري بإيقاعه بدلا لما جعل ثمنا بدخول الباء عليه ولا يخفى ما في هذا كله من التكلف وجعله مجازا مرسلا مرشحا كما ذهب إليه أكثر الشراح أقرب الوجوه الثلاثة فإن قيل : الاشتراء بمعنى الاستبدال بالإيمان بها إنما يصح إذا كانوا مؤمنين بها ثم تركوا ذلك لحظوظهم الدنيوية كما في اشتروا الضلالة بالهدى . قيل : مبناه على أنّ الإيمان بالتوراة إيمان بالآيات كما أنّ الكفر بالآيات كفر بالتوراة فيتحقق الاستبدال والاسترذال مأخوذ من التعبير عنها بالثمن كما مرّ ثم إنّ المصنف رحمه اللّه اختار التعميم لمناسبته لما بعده وذكر تفسرين آخرين على التخصيص . قوله : ( بالإيمان واتباع الحق الخ ) ما هو كالمبادي النعم المذكورة لاقتضائها الإيمان واتباع الحق وليست مبادي حقيقية له فلذا أقحم الكاف ، والرهبة بمعنى الخوف مقدّمة التقوى وعموم الخطاب لجميع أهل الكتاب لأنهم كلهم مأمورون بالإيمان به وإطلاق أهل العلم عليهم سابقا بالنسبة إلى من ليس له كتاب فلا ينافي هذا ما مرّ من جعلهم اعلم ونحوه ، وقوله أمرهم بالتقوى التي هي منتهاه جعلها منتهى لترتيبها على الخوف كما مرّ ولأنّ لها عرض عريض هي منتهى باعتبار بعضه وقيل : عليه ليست التقوى مطلقا منتهى السلوك بل منتهى المرتبة الثالثة منها وفيه نظر . قوله : ( عطف على ما قبله واللبس الخ ) لم يعينه لأنه يجوز عطفه على النهي الأوّل والآخر ، ولبس من باب ضرب ولبست عليه الأمر ولبسته بالتشديد فالتبس وفيه لبس ولبس بالضم إذا لم يكن واضحا والباء إمّا صلة أي معدّية لأنّ الصلة كما تستعمل بمعنى الزائد تستعمل بمعنى المعدّي أو للاستعانة أي لا تجعلوا
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 238 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي