اختلف في معنى ارادته سبحانه وتعالى فقيل إرادته لأفعاله أنه غير ساه ولا مكره ولأفعال غيره أمره بها فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته وقيل علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل والوجه الأصلح فإنه يدعو القادر إلى تحصيله والحق أنه ترجيح
شرح
وغيرهما من أنّ معنى إرادته تعالى لأفعاله أنه يفعلها عالما بها وبما فيها من المصلحة ولأفعال غيره أنه أمر بها وطلبها ، وهذا هو مرضي صاحب الكشاف كما صرّح به في سورة السجدة وهو أمر عدميّ بالنسبة إليه تعالى ووجوديّ بالنسبة لغيره فإما أن يكون موضوعا لمعنى شامل لهما ، أو يقال : هو مشترك بينهما أو مجاز في الثاني فليس من الصفات السلبية على الإطلاق كما قيل . قوله : ( فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته ) لأنّ العبد يخلق أفعاله عندهم بإرادته وإرادة اللّه لها بمعنى أنه أمرهم بها وهو لا يأمر بالفحشاء ولا يريد المعاصي عندهم لأنّ الإرادة مدلول الأمر أو لازمه وأدلتهم مفصلة في كتب الكلام ، وقد ردّ مذهبهم بأنه مخالف لما اشتهر من أنّ ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا يجري في ملكه إلا ما يشاء وأنّ الأمر قد ينفك عن الإرادة كأمر المختبر فإنّ السلطان لو توعد بعقاب السيد على ضرب عبده من غير مخالفة فادّعى مخالفته له وأراد تمهيد عذره بعصيانه له بحضرة السلطان فيأمر العبد ولا يريد منه الإتيان بالمأمور به بل ظهور عصيانه ، وقال : خاتمة المحققين جلال الملّة والدين الأمر أمران أمر تكوين يلزم منه وقوع المأمور به وهو يعم سائر الممكنات وأمر تشريع وعليه مدار الثواب والعقاب والطاعة هي الإتيان بما يوافق الأمر الثاني والرضا يترتب عليه . قوله : ( وقيل علمه باشتمال الأمر على النظام الخ ) هذا رأي الجاحظ وبعض المعتزلة إليه ذهب الحكماء فقالوا :
إرادته تعالى هي علمه بجميع الموجودات من الأزل إلى الأبد وبأنه كيف ينبغي أن يكون نظام الوجود حتى يكون على الوجه الأكمل وبكيفية صدوره عنه حتى يكون الموجود على وفق المعلوم على أحسن النظام من غير قصد وطلب شوقيّ ويسمون هذا العلم عناية والأمر شامل للفعل والترك والنظام الأكمل بالنظر إلى العالم والوجه الأصلح بالنظر إلى العبد وقوله فإنه الضمير للعلم أي العلم يدعو القادر على الأمر المذكور إلى تحصيله ، وهذا بناء على أنّ الإرادة ليست سوى الداعي إلى الفعل في الشاهد والغائب جميعا أو في الغائب خاصة ، قالوا وهو العلم أو الاعتقاد أو الظنّ باشتمال الفعل أو الترك على المصلحة ولما امتنع في حق الباري الظنّ والاعتقاد كان الداعي في حقه تعالى هو العلم بالمصلحة وبمثل نظام جميع الموجودات في علمه السابق عليها مع الأوقات التي يليق وقوعها فيها . قالوا : وهذا هو المقتضي لإفاضة ذلك النظام على ذلك الترتيب والتفصيل إذ لا يجوز أن يكون صدوره عن الواجب وعن العقول المجردة بقصد وإرادة ولا يجب بطبعه ولا على سبيل الاتفاق والجزاف لأنّ العلل الغائية لا تفعل لغرض في الأمور السابقة فقد صرّحوا في إثبات هذه العناية بنفي ما نسميه الإرادة كما قرّره في شرح المقاصد فتدبر . قوله : ( والحق أنه ترجيح أحد مقدوريه الخ ) هذا مذهب أهل السنة ، ولذا قال المصنف رحمه اللّه والحق إشارة إلى بطلان ما سواه فهي صفة ذاتية قديمة