مع الفعل والثاني قبله وكلا المعنيين غير متصوّر اتصاف الباري سبحانه وتعالى به ولذلك
شرح
من أنّ كون إرادة المعنى من اللفظ من هذا القبيل فيه بحث والظاهر أنّ الإرادة في الآية من هذا القبيل انتهى ليس بشيء لأنّ الإرادة فيما ذكره لمجرّد القصد وهو استعمال آخر وسواء قلنا إنه مشترك فيه أو مجاز صار حقيقة عرفية لا يرد نقضا على الآخر وكذا ما قيل : بعد نقل ما في شرح المواقف من أنه يصدق على الشهوة وهي غير الإرادة فإنّ المصنف بصدد تحقيق أصل معناه لغة لا ما ذكره المتكلمون وما ادّعاه من مغايرة الشهوة للإرادة ليس كذلك فإنّ بينهما عموما وخصوصا كما صرّح به الصدر في رسالة إثبات الواجب وهو المفهوم من كلام الراغب ، وقد قالوا إنّ الإرادة قد تتعلق بنفسها بخلاف الشهوة التي هي توقان النفس إلى الأمور المستلذة فإنها لا تتعلق بنفسها وإنما تتعلق باللذات وإذا ذكرت متعلقة بنفسها كانت مجازا عن الإرادة كما قيل : لمريض ما تشتهي فقال : أشتهي أن أشتهي يعني أريد أن أشتهي والإنسان قد يريد شرب الدواء البشع ولا يشتهيه وقد يشتهي الطعام اللذيذ ولا يريده إذا علم أنّ فيه هلاكه فقد وجد كل منهما بدون الآخر وقد يجتمعان في شيء واحد فبينهما عموم وخصوص بحسب الوجود ، وقوله : وتقال للقوّة الخ قد مرّ تحقيق معنى القوّة فتذكره ، وقيل الإرادة في حقنا عبارة عن ميل النفس الذي يعقبه اعتقاد يقع في المراد وأما العزم فنوع من الإرادة لأنه إرادة جازمة بعد نوع تردد سابق والإرادة لا تقتضي سبقه وقال الإمام لا حاجة إلى تعريف الإرادة لأنها ضرورية فإنّ الإنسان يدرك بالبديهة التفرقة بين إرادته وعلمه وقدرته وألمه ولذته ، ثم حدّها بأنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر في الوقوع لا الإيقاع . قال : وبالقيد الأخير احترز عن القدرة . قوله : ( والأوّل مع الفعل ) أي الأوّل من معنى الإرادة اللغوية المذكورة في كلامه وهو الميل الحامل على إيقاع الفعل وإيجاده يكون مع الفعل ويجامعه وإن تقدم عليه بالذات لأنه الحامل والباعث وهذا لا يقتضي إيجاده بالاستطاعة وهي القدرة التامّة المستجمعة لجميع شرائط التأثير بمعنى العلة التامّة والإرادة جزء منها إلا أنها مع الفعل بمنزلة جزء العلة الأخير ولما كان الثاني بمعنى القوّة وهي الصفة القائمة بالحيوان التي هي مبدأ الميل إلى أحد طرفي المقدور وإيقاعه كان قبله لأنه إذا وجد يعطي حكم تلك القوة بخروجه من القوّة إلى الفعل ، أو المراد بها ما لم يكن معه جميع جهات حصول الفعل ، والحاصل كما في شرح المقاصد أنّ القوّة مع جميع جهات حصول الفعل بها لزوما أو معها عادة مقارنة وبدون ذلك سابقة فلا غبار على ما ذكر ، وقوله وكلا المعنيين الخ عدم تصوّر الميل النفساني والقوّة التي هي مبدؤه في حقه تعالى ظاهر وكلا مبتدأ وغير متصوّر خبره واتصاف نائب فاعل متصوّرا ومبدأ وغير خبر مقدم والجملة خبر كلا ولا حاجة إلى جعله على نهج قوله :غير مأسوف على زمنقوله : ( فقيل إرادته لأفعاله الخ ) لما كان معنى الإرادة السابق لا يليق بذاته تعالى فسر إرادته بتفاسير للمتكلمين من أهل السنة وغيرهم فأوّلها ما ذهب إليها المعتزلة كالكلبيّ والنجار