استنكروه والمعنى أنه لا يستحي ضرب المثل بالبعوض فضلا عما هو أكبر منه أو في المعنى الذي جعلت فيه مثلا وهو الصغر والحقارة كجناحها فإنه عليه الصلاة والسلام ضربه مثلا للدنيا ونظيره في الاحتمالين ما روي أنّ رجلا بمنى خرّ على طنب فسطاط فقالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة » فإنه يحتمل ما يجاوز الشوكة في الألم كالخرور وما زاد عليها في القلة كنخبة النملة لقوله عليه الصلاة والسلام : « ما أصاب المؤمن
شرح
الوجه لما مر لأنه عبر بذلك أيضا في الوجه الآخر حيث قال : قبل هذا كأنه لما ردّ استعبادهم الخ لأنه توجيه بما سمعته آنفا فمن قال في حواشيه هنا قوله فما فوقها ترقيا من البعوضة إلى ما هو أكبر منها فإنّ الكفار لما استنكروا ضرب المثل بالذباب والعنكبوت وكان يتصوّر أن يتحقق ما هو أحقر منهما وأصغر كان المناسب في ردّ كلامهم أن يذكر ذلك الأحقر والأصغر ليترقى منه إلى ما ذكروه من الذباب والعنكبوت فيقال لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فضلا عما يقولونه لم يطبق مفاصل الكلام ، ولم يقرب من المرام فافهم . قوله : ( ونظيره في الاحتمالين الخ ) المراد بالاحتمالين ما فسر به ما فوقها ، وقوله أو في المعنى عطف على قوله في الجثة وهو الوجه الثاني ، والمراد بما فوقها فيه الأصغر الأحقر وقوله كجناحها أي كجناح البعوضة إشارة إلى ما ورد في الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام « لو كانت الدنيا تعدل عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء » « 1 » وهو حديث صحيح أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد وللّه در ابن المقري رحمه اللّه في قوله في تائيته المشهورة .فقد ضاع عمر ساعة منه تشتري * بملء السما والأرض أية ضيعةأبنفق هذا في هوى هذه التي * أبى اللّه أن تسوى جناح بعوضةوقوله ما روي أنّ رجلا بمنى الخ حديث صحيح رواه مالك والبخاري ومسلم والحديث بتمامه في الكشاف وهو عن الأسود قال دخل شباب من قريش على عائشة رضي اللّه تعالى عنها وهي بمنى وهم يضحكون فقالت ما يضحككم قالوا فلان خرّ على طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه أن تذهب فقالت لا تضحكوا إني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة « 2 » وقوله ما أصاب المؤمن الخ رواه ابن الأثير في النهاية إلا أنّ فيها المسلم بدل المؤمن وقال الطيبي لم أقف له على رواية وقال الحافظ العراقي لم أقف عليه بهذا اللفظ والطنب بضمتين وسكون الثاني يكون مفردا فيجمع على أطناب كعنق وأعناق ويكون جمعا أيضا كما في المصباح وهو الحبل الذي تشدّ به الخيمة
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 2320 من حديث سهل بن سعد . وقال : حسن غريب .
( 2 ) أخرجه مسلم 2572 - 46 - 47 والترمذي 965 وأحمد 6 / 42 - 43 - 173 - 255 - 278 والبيهقي 3 / 373 - 374 كلهم من حديث عائشة وورد بألفاظ متعددة .