الجنة لأنّ طعامها متشابه الصورة كما حكي عن الحسن رضي اللّه تعالى عنه أنّ أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول ذلك فتقول الملائكة كل فاللون واحد والطعم مختلف أو كما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : « والذي نفس محمد بيده أنّ الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلي فيه حتى يبدّل اللّه تعالى مكانها مثلها » فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك والأوّل أظهر
شرح
وإنّ كلام المرء في غير كنهه * لكالنبل تهوي ليس فيها نصا لهاوقال ابن دريد : كنه الشيء وقته يقال أتيته في غير كنهه أي في غير وقته ، ويكون الكنه للقدر أيضا يقال فعل فوق كنه استحقاقه فليس الكنه من الحقيقة في شيء والناس يظنونهما سواء انتهى وهو لا فعل له أيضا وأثبته بعض اللغويين فقال : يقال منه اكتنه ، وقوله كذلك أي غير مألوف . قوله : ( أو في الجنة الخ ) عطف على قوله في الدنيا أي من قبل هذا الرزق أو المرزوق في الجنة ، يعني أنّ مأكولات الجنة متحدة الشكل متفاوتة اللذة والطعوم فإذا قدم إليهم شيء آخر منها ظنوه مكررا والطعام بمعنى المطعوم بمعنى المأكول مطلقا فيتناول الثمار وغيرها ففيه إثبات للشيء بما هو أعمّ منه أو يخص بالثمار بقرينة المقام ، ولا حاجة إلى أن يقال إنه للتمثيل فإنّ الصحفة لا يوضع فيها الثمار لأنه غير مسلم ، والصحفة بفتح الصاد المهملة وسكون الحاء المهملة كالقصعة الآنية جمعه صحاف وقوله كما حكي عن الحسن الخ أثر أخرجه ابن جرير عن يحيى بن كثير بهذا اللفظ . وقوله روي الخ أخرجه أيضا ابن جرير موقوفا وفي المستدرك من حديث ثوبان مرفوعا : « لا ينزع رجل من أهل الجنة من ثمرها شيئا إلا خلق اللّه مكانها مثلها » « 1 » وقال : إنه صحيح على شرط الشيخين وقوله فلعلهم الخ لا يأبى هذا قوله من قبل لأنّ معناه قبل هذا الزمان أو الوقت ، وعلى تفسير المصنف من قبل الرزق أو المرزوق الذي أشار إليه بقوله من قبل هذا لأن قبل مبنية على الضم لحذف المضاف إليه الذي هو هذا ونية معناه وإن لم يتخلل بينهما زمان وليس معنى رزقنا أكلنا التقدّم الرزق على الأكل وعلى الأثر الأوّل هو متشابه الصورة مختلف الطعم وعلى الثاني متشابه الصورة والطعم فتأمل . قوله :
( والأوّل أظهر الخ ) أي كون المراد بالقبلية في الدنيا أولى من كونها مما تقدّم في الآخرة لأنّ كلما تفيد العموم ، وعلى الثاني لا يتصوّر قولهم لذلك في أوّل ما قدّم إليهم ويفوت موقع الاستئناف المبنيّ على السؤال على وجه التشابه بينهما وإن قيل إنّ الأظهر تعميم القبلية لما يشمل قبلية الدنيا والآخرة وقال المصنف أظهر ولم يقل إنّ التفسير هو الأوّل كما قاله الزمخشريّ لأنّ هذا له وجه ظاهر أيضا حتى قيل إنه يتجه على الأوّل أنه يلزم فيه انحصار ثمار الجنة في الأنواع الموجودة في الدنيا والأليق أن يوجد فيها ذلك مع غيره من الأنواع التي لا عين رأت ولا أذن سمعت ( 2 ) كما ورد في الحديث . وقال السيوطي : أيضا عندي أنّ الثاني
هامش
( 1 ) أخرجه البزار 3530 والطبراني في الكبير 1449 كلاهما من حديث ثوبان وقال الهيثمي في المجمع 18731 : وعند البزار « عيد في مكانها مثلاها » ورجال الطبراني وأحد إسنادي البزار ثقات .