الثاني إلى الرزق فإن قيل التشابه هو التماثل في الصفة وهو مفقود بين ثمرات الدنيا والآخرة كما قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء قلت التشابه بينهما حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم دون المقدار والطعم وهو كاف في اطلاق التشابه هذا وإنّ للآية محملا آخر وهو أنّ مستلذات أهل الجنة في مقابلة ما رزقوا في الدنيا من المعارف والطاعات متفاوتة في اللذة بحسب تفاوتها فيحتمل أن يكون المراد من هذا الذي رزقنا أنه ثوابه ومن تشابههما تماثلهما في الشرف والمزية وعلوّ الطبقة فيكون هذا في الوعد نظير قوله :
ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ سورة العنكبوت ، الآية : 55 ] في الوعيد
شرح
وإلا لواحد ويشهد له أنه قرئفَاللَّهُ أَوْلى بِهِماكذا قاله المصنف رحمه اللّه في سورة النساء وفيه كلام سيأتي فإن أردته فارجع إليه . قوله : ( وعلى الثاني على الرزق الخ ) أي ضمير به على تقدير كون معنى من قبل هذا في الجنة راجع إلى الرزق والمعنى أتوا بالمرزوق في الجنة متشابه الأفراد ، ولما كان التشابه في الصفة وصفات ما في الجنة مغايرة لما في الدنيا كما قال ابن عباس رضي اللّه عنهما أنها لا تشبهها وإنما يطلق عليها أسماؤها ، أجاب بأنّ الصورة من جملة الصفات فكما يصح إطلاق الاسم يصح إطلاق التشابه لأنه لا يشترط فيه أن يكون من جميع الوجوه وحينئذ يحتمل هذا أن يكون على الحقيقة والمجاز كما يطلق على صورة الفرس أنها فرس والسؤال وارد على الاحتمالين كما يشهد له قوله بين ثمرات الدنيا والآخرة ، وقيل : إنه ظاهر على الاحتمال الأوّل ولا وجه له غير النظر لظاهر ما ذكر وما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أخرجه البيهقي وغيره . قوله : ( هذا وإنّ للآية محملا آخر الخ ) أي الأمر هذا أو هذا ظاهر أو خذ هذا فاسم الإشارة في محل رفع أو نصب ويحتمل أن يكون ها اسم فعل بمعنى خذ وذا مفعوله من غير تقدير لكنه مخالف للرسم أي أنّ الآية تحتمل تفسيرا آخر بأن يكون ما رزقوه قبل هو الطاعات والمعارف التي يستلذها أصحاب الفطرة والعقول السليمة وهذا جزاء لها مشابه لها فيما ذكر من اللذة كالجزاء الذي في ضدّه في قوله ذوقوا ما كنتم تعملون أي جزاءه فالذي رزقنا مجاز مرسل عن جزائه وثوابه بإطلاق اسم السبب على المسبب أو هو استعارة بتشبيه الثمار والفواكه بالطاعات والمعارف فيما ذكر وهو الظاهر من كلام المصنف رحمه اللّه وقوله في ضدّه ذوقوا مؤيد له ولا يأباه كما قيل : قوله من قبل لأنه في الجنة لا في الدنيا حتى تثبت له القبلية لأن التجوّز في هذا الذي رزقنا وتعلق القبلية به شيء آخر مبالغة بجعل تقدّم سببه واستحقاقه بمنزلة تقدّمه كما يقول الرجل لمن أحسن له إني استغنيت حين قصدتك وأمّا تقدير المضاف وإن كان أظهر فلا يحمل عليه ما قاله المصنف إلا بتعسف فلا حاجة إلى ما تكلف من جعل الرزق مجازا عن الاستحقاق ، أو يقال هو من تسمية موجب الشيء باسمه فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع وإنما جعل المصنف رحمه اللّه الشبه معنويا في الشرف لا في الصورة لأنّ المعارف والأعمال أعراض لا صورة لها وشرف أمور الجنة كلها مما لا شبهة فيه فمن قال لا نسلم تشابه مستلذات الجنة للأعمال في الشرف لم يصب ، والمراد بالطبقة في قوله