عن إدراك الأبصار ، ومرتفع عن كل شيء وعما لا يليق به ويشهد له قول الشاعر :
شرح
أصل الأصل أصل ولاه مصدر ، وفي بعض كتب اللغة لا يليه ليها إذا احتجب ولاه يلوه إذا ارتفع والمصنف رحمه اللّه جعلهما أي الارتفاع ، والاحتجاب معنيين من مادّة واحدة ، وبينهما على طريق اللف والنشر وهو ظاهر ، وليس المراد أنه مستعمل فيهما معا بناء على مذهبه في المشترك بل صحة النقل من كل منهما ، وهذا المذهب منقول عن سيبويه رحمه اللّه بناء على ما حقق في كتب اللغة ، وقال ابن خروف : إنه منقول من لفظ متوهم كباب ، وهو مقلوب من وله لأن باب لوه وليه ليس في كلام العرب كما قاله السيوطي ، وقيل : لاه يليه بمعنى ارتفع ليس بلغة . قوله : ( لأنه تعالى محجوب الخ ) هو بيان للأوّل قال :لاهت فما عرفت يوما بجارحة * يا ليتها خرجت حتى رأيناهاوقد اعترض عليه بما قاله الإمام من أنّ حقيقة الصمدية محتجبة عن العقول ، ولا يجوز أن يقال محجوبة لأنّ المحجوب مقهور وهو العبد ، وأمّا الحق فقاهر ففي عبارة المصنف رحمه اللّه قصور أو خطأ ، والصواب محتجب كما في بعض النسخ ، وهكذا قاله الفاضل الليثي وغيره ( وأنا أقول ) في حكم ابن عطاء اللّه نفعنا اللّه به الحق ليس بمحجوب إنما يحتجب عن النظر إليه إذ لو حجبه شيء لستره ، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر ، وكل حاصر لشيء فهو لوجوده قاهر ، وهو القاهر فوق عباده انتهى .
وفي الشفاء ما وقع في حديث الإسراء من ذكر الحجاب هو في حق المخلوق لا في حق الخالق ، فهم المحجوبون والباري جل اسمه منزه عما يحجبه ، والحجب إنما يحيط بمقدّر محسوس ، ولكن حجبه عن أبصار خلقه وبصائرهم ، وإدراكاتهم بما شاء ، وكيف شاء ، ومتى شاء لقوله تعالى :كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ[ سورة المطففين ، الآية : 15 ] انتهى .
يعني أنّ الحجاب حقيقته المنع والستر ، وإنما يكون في الأجرام المحدودة ، واللّه تعالى منزه عن ذلك ، فهو إمّا تمثيل لمجرّد المنع عن رؤيته تعالى مشاهدة ، وإحاطة أو هو في حق المخلوق دونه ، وحينئذ فالمحجوب يطلق على الخلق حقيقة ، لأنهم حجبوا عن رؤيته أو قربه ، أو نحو ذلك كما في قوله تعالى :كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَفإن أسند إليه تعالى كما ورد في الأحاديث ، فهو تمثيل لارتفاع شأنه وعظمته كما صرحوا به ، أو مجاز عن منعه لهم فهو مانع وممنوع وإنما الممنوع منع ما سواه له وفي الدرر والغرر لعلم الهدى قدّس سرّه في قوله تعالى :مِنْ وَراءِ حِجابٍ[ سورة الشورى ، الآية : 51 ] أنه تعالى يوصف بالحجاب بمعنى الخفاء وعدم الظهور والعرب تستعمله بهذا المعنى فتقول بيني وبين هذا الأمر حجاب أي مانع وساتر انتهى . وفي شرح المواقف المحجوب مقهور ، وهو عز شأنه منزه عنه وهو كما يصدق عليه أنه محتجب يصدق عليه أنه جعل ذاته محجوبا لأن الخفاء من فرط الظهور ، فلا غبار على كلام المصنف كما سمعته ، وقوله لها بفتحهما سان لأصله ، وقيل : أصل لوها أولوها كما في الدرّ المصون فلا حاجة إلى القول بأنّ قلب ياء لبها الساكنة ألفا على خلاف القياس ،