تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 600

مساهمون:

ص٦٠٠
للمستوقدين فهي على حقيقتها ، والمعنى أنهم
اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ
[ سورة البقرة ، الآية : 17 ] هائلة أدهشتهم بحيث اختلت حواسهم ، وانتقضت قواهم وثلاثتها قرئت بالنصب على الحال من مفعول تركهم ، والصمم أصله صلابة من إكتنار الأجزاء ومنه قيل : حجر أصم وقناة صماء وصمام القارورة سمي به فقدان حاسة السمع لأنّ سببه أن يكون باطن الصماخ مكتنزا لا تجويف فيه يشتمل على هواء يسمع
شرح
نسقوا لنا نسق الحساب مقدّما * وأتى فذلك إذ أتيت مؤخراوأعلم أنّ الجملة الواقعة موقع النتيجة وردت بالفاء ودونها في كلام الفصحاء فالأوّل كقوله تعالى :وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً[ سورة الأعراف ، الآية : 142 ] والثاني كقولهفَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ[ سورة البقرة ، الآية : 196 ] لأنّ استلزام ما قبله له أو تضمنه له بالقوّة منزل منزلة المتحد معه فيقتضي ترك العطف ، ومغايرتها لما قبلها وترتبها عليه ترتب النتاج ، والفرع على أصله يقتضي اقترانها بالفاء ، وهذا هو المعروف في الاستعمال ، وهي بدونها مستأنفة أو حالية ، وعلى الأوّل لا محل لها فمن قال : إنها لا تكون إلّا مع الفاء وهي بدونها لا يدري من أيّ أنواع الجمل هي فقد قصر فيما قدّر . قوله : ( وإن جعلته للمستوقدين إلخ ) أي إذا جعلت هذا من تتمة التمثيل على أنه داخل فيه لا حاجة إلى اعتبار التجوّز فيما ذكر إذ لا مانع من الحقيقة ، وهي الأصل فلا يعدل عنه بدون مقتض يقتضيه ، والتمثيل لا يقتضي تحقق الممثل به في الخارج بل يكفي فرضه وإن امتنع عادة كما في قوله :اعلام ياقوت نشر * ن على رماح من زبرجدفلا يرد عليه ما قيل من أنه من المعلوم أنّ من إنطفأت ناره ووقع في ظلمة شديدة مطبقة لا يحصل له صمم ولا بكم ولا عمى ، فالظاهر أنها مجازات لا حقائق وأنّ هذا الوجه بعيد ، ولذا لم يلتفت له في الكشاف وشروحه وجعلوه من أحوال المنافقين سواء كان ذهب جوابا أم لا ، ولا حاجة إلى الجواب عنه فإنّ من وقع في ظلمات مخوفة هائلة ربما أدّاه ذلك إلى الموت فضلا عن فقد الحواس ألا ترى أنّ من حبس زمانا في مطمورة مظلمة قد يذهب بصره ، ويبتلى بأمراض حارّة يعتقل بها لسانه ، والذي دعى المصنف إلى اعتبار هذا قراءة النصب فإنها تعينه على الجوابية ، وأخره إشارة إلى أنه مرجوح عنده فلا غبار عليه حتى ينقض . قوله : ( بحيث اختلت حواسهم وانتقضت قواهم ) هذا كعبارة الزمخشريّ السابقة وقد مرّ تفسيرها وبيان القوى فيها والانتقاض افتعال من النقض بمعنى الهدم أو الحل فهو استعارة يقال نقضت البناء نقضا إذا هدمته ، والنقض بكسر النون وضمها المنقوض من البناء ونقضت الحبل إذا فككت ما فتل منه ، ومنه يقال نقض ما أبرمه إذا أبطله فانتقض هو بنفسه ، وقوله بالنصب على الحال هو أحد الوجوه فيه ، وقد جوّز أن يكون ثاني مفعولي ترك بناء على جواز تعديته لمفعولين وعلى تعدّد ما هو خبر في الأصل أو منصوبا على الذمّ ، وأصل الصمم الصلابة الحاصلة من إكتناز الأجزاء أي اجتماعها
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 600 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي