تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 599

مساهمون:

ص٥٩٩
هذا إذا جعلت الضمير للمنافقين على أنّ الآية فذلكة التمثيل ، ونتيجته ، وإن جعلته
شرح
إعمال النظر في مطاوي كلامهم لأنّ هم المقدّر راجع للمنافقين السابق حالهم وصفاتهم وتشهيرهم بها حتى صاروا مثلا فكأنه قيل هؤلاء المتصفون بما ترى صم إلخ على أنّ المستعار له ما تضمنه الضمير الذي جعل عبارة عن المتصفين بما مرّ والمستعار ما تضمن الصمم وأخويه من قوله صمّ إلخ فقد انكشف الغطاء من الطرفين ، وليس هذا بأبعد مما مرّ في قولهم إمتطى الجهل ، وبهذا إضمحلت الشبهة من غير حاجة إلى ما ذكر من التعسفات ، وأمّا ما ذكر آنفا مما أورده عليه البعض من قوله إن أراد بكون الشجاعة خارجة إلخ فمعلوم أنه لا طائل تحته ، وقوله إنّ الشجاعة داخلة في الطرفين ، من حيث التشبيه لا وجه له لأنه على مدعاه من أنّ الطرفين زيد والأسد كيف يكون هذا ، وهو خارج عنهما وإن كان لازما لهما ، ولو لم يكن هذا مع إرخائه العنان في مجاراة الخصم كان غير صحيح أيضا ، وكذا ما قيل من أنّ الشجاع قيد للمشبه لما قدّمناه لك فلا تكن من الغافلين ، وإنما سحبنا أذيال البيان لما في هذا المقام ، من العقد التي لم تحلها أسنان الأقلام ، ففي الزوايا خبايا ، وفي الرجال بقايا . قوله : ( هذا ) أي الأمر هذا أوخذ من هذا أوها اسم فعل بمعنى خذ وذا مفعوله ، وهذا وإن استغنى عن التقدير بعيد مع مخالفته الرسم ، والإشارة إلى التفسير المذكور بقوله لما سدّوا مسامعهم إلخ ، وقوله إذا جعلت الضمير إلخ المراد بالضمير المقدّر هنا مبتدأ وهو هم صم إلخ لا هو والضمير في قوله بنورهم كما توهّم لبعده لفظا ، ومعنى لأنه قد فرغ عنه فعلى هذا تكون هذه محصل ما سبق وإجماله لأنه تمثيل لحالهم ، وهو عبارة عن جميع ما مرّ من أحوالهم السابقة ، وقد علم من قوله لا يشعرون ولا يبصرون أنهم صمّ عمي ومن كونهم يكذبون أنهم لا ينطقون بالحق فهم كالبكم ، ومن كونهم غير مهتدين أنهم لا يرجعون ووجه الترتيب ما مرّ فلا يرد عليه ما قيل من أنّ التمثيل إنما فيه عدم الإبصار ، وأمّا الصمم والبكم فلا حتى يجاب بأنه مثلت حالهم في التحير بالمستوقد فأفاد تحيرهم في المحسوس ، والمعقول ولم يذكر سفههم وكونهم عن العقل بمعزل لأنه مفروغ عنه ، وهذا نظير الختم على السمع والبصر المستلزم للختم على اللسان في قصة الكفار ، وسقط أيضا ما قيل إنه يرد عليه أنّ نتيجة التمثيل كونهم عميا لا غير وأنه على تقدير صحته المناسب تقديم العمى ، وقوله فذلكة التمثيل ونتيجته قيل عطف النتيجة على الفذلكة تفسيريّ ، والظاهر أنّ بينهما مغايرة اعتبارية فإن كان إجمالا لما قبله فهو فذلكة وإن كان ما قبله منساقا إليه ومستلزما له فهو نتيجة له ، ولذا قدّره بعضهم بقوله فهم صم إلخ ، والحاصل أنّ حالهم المضروب له المثل وسعيهم الخاسر أدّاهم إلى فقد الحواس ، والقوى ووقوعهم في قفار لا يرجع من ضلّ فيها والفذلكة عبارة عن إجمال الأمور مأخوذة من قول الحاسب بعدما يملي مفردات ما يحسبه فجملة ذلك كذا فركب هذا اللفظ من بعض حروفه ، ويسمى هذا عند الأدباء نحتا بالنون كقوله حوقلة ، وبسملة وهو مقصور على السماع ، وهذه اللفظة لم تسمع من فصحاء العرب الذين يحتج بكلامهم ، وإنما أحدثها المولدون كما قال المتنبي :
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 599 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي