شرح
هلا كررت على غزالة في الوغى * بل كان قلبك في جناحي طائرغشيت غزالة حفلة بفوارس * تركت فوارسه كأمس الدابروالشاهد في قوله أسد فإنه تشبيه لا استعارة لذكر الطرفين تقديرا فيه أي أنت أسد كما في الآية الكريمة فهو في حكم المنطوق ، وفي ذكر البيت إشارة إلى أنه لا ينافي التشبيه أن يذكر بعد المشبه به ما يشعر بأنه ليس بمعناه الوضعي كقوله عليّ هنا ، وفي الحروب المتعلق بنعامة ، وغزالة ممنوع من الصرف لأنه علم امرأة رجل من الخوارج مشهور يقال له شبيب ، وكان الحجاج قتله فلما أتى خبره لامرأته وكانت من الشجاعة بمنزلة عجيبة لم يعهد مثلها في النساء لبست درعا وتقلّدت بسيف ورمح وركبت في ثلاثين فارسا من الشجعان الخوارج ، وكانت نذرت أن تغزو الحجاج بالبصرة نهارا وتصلي في جامعها بسورة البقرة ففعلت ذلك ، وبالبصرة أكثر من ثلاثين ألف مقاتل ، وهرب الحجاج منها ولم يبرز فلمح في هذا الشعر لقصتها وعير الحجاج بها ، والنعامة طائر معروف بالجبن وشدّة الهرب ، والفتخاء المسترخية الجناحين اللينة المفاصل وهو من صفاتها والصفير صوت بغير حروف ، والصافر الريح أو كل مصوّت والظاهر الثاني ، وكررت بمعنى رجعت ويروى برزت بدله ، والوغى أصله الأصوات المرتفعة المختلطة وبه سمي الحرب وهو المراد ، وغشيت بمعنى نزلت وحفلة مرّة الحفل من قولهم رجل ذو حفل أي مبالغ فيما يفعله والمعنى ذات حفلة كما في الكشف ، والتشبيه بأمس الدابر أي الماضي في العدم حقيقة أو حكما وكون قلبه في جناحي طائر من بليغ الكلام وبديعه لأنه عبارة عن ذهابه فارا وقلبه في غاية الخفقان من شدّة خوفه ، وهذا لا يدرك حسنه إلّا من رزقه اللّه ذوق حلاوة العربية ، وهو تصوير لفراره مرعوبا وفي الكشف فتخاء من باب التصوير كيقولون بأفواههم وقال بعض المتأخرين : كما رأيته بخطه بل هو لبيان وجه الشبه على طريق الإشارة لترتيب الحكم على المشتق وفيه نظر ، وفتخاء بفاء ومثناة فوقية وخاء معجمة ممدودا .
وأعلم أنه إذا ذكر الطرفان كما مرّ ، وعمل الثاني منهما كما في البيت المذكور فهذه مسئلة مقرّرة في كتب النحو والمعاني والتفسير ، وقد ذكرت في كتاب سيبويه وقال : في التسهيل لا يتحمل غير المشتق ضميرا ما لم يؤوّل بمشتق خلافا للكسائي وفي شرحه لأبي حيان إذا أوّل تحمل ضميرا كمررت بقوم عرب أجمعون ، وبقاع عرفج كله بتأكيد الضمير المستتر بتأويله بفصحاء وخشن فإذا أسند إلى ظاهر رفعه كما قاله سيبويه في نحو مررت برجل أسد أبوه ومنه قوله :كأنّ لتأمنها بيوتا حصينة * مسوحا أعاليها وساجا كسورهابرفع الظاهر لتأويله بمشتق أي سودا وكثيفا وأجاز الكسائيّ ، وبعض الكوفيين ذلك في الجامد وإن لم يؤوّل وأستبعده ابن مالك وقال : ينبغي أن يحمل على ما كان لمسماه معنى لازم بين اللزوم كالإقدام والقوّة للأسد اه ، وقال ابن مالك أيضا في شرح كافيته لو أشرت إلى رجل ، وقلت هذا أسد لكان لك فيه ثلاثة أوجه تنزيله منزلة الأسد مبالغة دون التفات إلى