ومن ثمّ ترى المفلقين السحرة يضربون عن توهم التشبيه صفحا كما قال أبو تمام الطائيّ :
ويصعد حتى يظنّ الجهول * بأنّ له حاجة في السماء
شرح
مفعول من فاعلته على الروايتين السمين الكثير اللحم . من قولهم ناقة مقذوفة باللحم ، ومقذفة كأنها رميت به ، وقيل المراد أنه يرمى به في الوقائع والحروب لشجاعته ، والأوّل أشهر عند أهل اللغة وعلى هذا هو تجريد وعلى الأوّل ترشيح ، وقيل إنه ليس بتجريد ولا ترشيح ، ولبد كعنب بلام وباء موحدة ، ودال مهملة جمع لبدة كسدرة ، وهي الشعر المتراكم على رقبة الأسد ، وقيل على كتفيه ، ويقال هو أمنع من لبدة الأسد للقويّ الممتنع ، وأظفار جمع ظفر بضمتين معروف والتقليم قطع الأطراف لا قصها ومنه القلم لقطع طرفه أو لأنه معدّ للقطع ، ولم تقلم ليس لنفي المبالغة بل للمبالغة في النفي كقوله تعالىوَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَوقيل إنّ الأسد موصوف بكمال الأظفار فإذا أتصف بالقلم اتصف بكمال فنفي التقليم نفي للقلم أصلا ، كما قيل في قوله تعالىوَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[ سورة فصلت ، الآية : 46 ] وتقليم الأظفار كناية عن الضعف ، وعدمه كناية عن القوّة ، ومن الناس من جعله ترشيحا للإستعارة قيل : وفيه إنّ التقليم لا يختص بالأسد المشبه به حتى يكون ترشيحا ، وقيل إنه تجريد لأنّ الوصف بعدم التقليم إنما يكون لمن هو من شأنه ، وهو الإنسان ، وقيل : إنه ليس بترشيح ولا تجريد لأنّ عدم الضعف مشترك إلّا أن يقال المراد أنّ القلم ليس من شأن جنسه ، ولا من عادته فتأمّل . قوله :
( ومن ثمّ ترى المفلقين إلخ ) ثمّ بفتح الثاء المثلثة وتشديد الميم المفتوحة للإشارة إلى المكان في أصل وضعها واختلف هل هي إشارة إلى البعيد أو القريب فتجوّز بها في المعاني في كلام المصنفين لكونها منشأ لما ذكر معها فكأنها مكانه ، وفسروها بقوله من أجل ذلك أو من أجل هذا فمن تعليلية ، وقيل ابتدائية وقد ترسم بهاء السكت لأنها تلحقها في الوقف ، وقيل إنها للتأنيث وهو لغة فيها ، والمفلقين جمع مفلق اسم فاعل ، وهو من يأتي بالفلق بالفتح أو بكسر فسكون ، وهو الأمر الغريب العجيب ، وهو يكون بمعنى الداهية من الفلق ، وهو الشق والمراد البلغاء الواصلون إلى أعلى مراتب البلاغة التي تدهش سامعها وتحيره ، وكذا السحرة جمع ساحر من السحر وهو مجازا نهاية البلاغة كما في الحديث : « إنّ من البيان لسحرا » « 1 » وفيه كلام مذكور في شروحه ، وضرب الصفح عبارة عن الإعراض ، والتناسي وسيأتي تحقيقه في قوله تعالى :أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً[ سورة الزخرف ، الآية : 25 ] وترى من الرؤية البصرية أو العلمية أي تشاهده ، وتتحققه أي لأنّ الاستعارة لا تكون إلّا إذا ترك المستعار له لفظا وتقديرا فإنّ المقدّر كالمذكور كما في هذه الآية فإذا كان كذلك تناسوا التشبيه المستدعي لذكر لطرفين
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 5767 و 5146 وأبو داود 5007 والترمذي 2028 وأحمد 2 / 59 و 62 ومالك 2 / 986 وابن حبان 5795 .