وههنا وإن طوى ذكره بحذف المبتدأ لكنه في حكم المنطوق به ، ونظيره .
أسد عليّ وفي الحروب نعامة * فتخاء تنفر من صفير الصافر
شرح
عند الحذف وإدخال المشبه في جنس المشبه به حتى كأنه لا تشبيه كما في قوله ويصعد إلخ فإنّ العلو المكاني أستعير لرفعة القدر ، وجعل كالحقيقيّ الذي يتوهم فيه إنّ له حاجة في السماء صعد لها ، وقد يفعلون ذلك مع التصريح به أيضا كقول العباس بن الأحنف :هي الشمس مسكنها في السماء * فعز الفؤاد عزاء جميلافلن تستطيع إليها الصعودا * ولن تستطيع إليك النزولاكما يدريه من تتبع كتب علم المعاني . قوله : ( ويصعد إلخ ) هو من قصيدة لأبي تمام الطائي يرثي بها يزيد بن خالد الشيباني أوّلها :نعاء إلى كل حيّ نعاء * فتى العرب اختط ربع الغناءومنها :فما زال يفرع تلك العلا * مع النجم مرتديا بالعماءويصعد حتى يظنّ الجهول * بأنّ له حاجة في السماءإلى آخرها ، وهي قصيدة طويلة ، ويفرع بمعنى يعلو بفاء وراء مهملة من فرع المنبر والجبل إذا صعده وأصله الصعود إلى فروع الشجر وفي رواية بدل يصعد يرقى ، ويروى أيضا بدل حتى يظنّ حتى لظنّ باللام الابتدائية أو هي جواب لقسم كما في شرحه للتبريزي ، والشاهد في استعارة يصعد حيث بنى عليها ما بعدها كما سمعته آنفا كذا قاله قدّس سره وغيره من شراح الكشاف ، وهو الذي عناه المصنّف تبعا للكشف ، وفي الكشف فروع العلاء مستعار من فروع المنابر والجبال ، ثم بنى عليه ما يبنى على الفرع الحقيقيّ فجعله ذاهبا في جهة العلو قاصدا نحو السماء لغرض ، وهكذا شأن كل استعارة مرشحة ا ه . فجعل قوله يصعد إلخ ترشيحا للإستعارة في قوله يفرع إلخ ، والعماء بفتح العين والمدّ السحاب الرقيق ، وارتداؤه جعله كالرداء وجعل الظان جهولا لإدّعائه أنه لا حاجة له لأنّ اللّه أعلاه وأغناه بجدّه وسعده فلا يقال إنّ الأنسب بالإدعاء في المدح أن يقول الخبير ويروى منزلا بدل حاجة ، وأعلم أنّ ما ذهب إليه صاحب الكشف هو التحقيق لكنه لا يناسب المقام إلّا بتكلف بعيد جدّا . قوله : ( وههنا إلخ ) يعني أنّ الطرفين لا يشترط في التشبيه ذكرهما بالفعل ، بل يكفي الذكر ولو تقديرا ونية فإنّ المقدّر المنوي كالمذكور كما أنه لا يضرّ الذكر مطلقا بل على طريق القصد فلو كان ذكره غير مقصود بالذات لم يناف الاستعارة كما قرّروه في نحو قوله :لا تعجبوا من بلى غلالته * قد زرّ أزراره على القمروقوله أسد إلى هو من شعر لعمران بن حطان رأس الخوارج يخاطب به الحجاج ، وكان همّ بأخذه وقتله وأعدّ لذلك عدّته ، وهو من شعر هو بتمامه كما في كامل المبرد :أسد عليّ وفي الحروب نعامة * فتخاء تنفر من صفير الصافر