ثم أستعير لكل حال أو قصة أو صفة لها شأن وفيها غرابة مثل قوله تعالى
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
[ سورة الرعد ، الآية : 35 ] وقوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
[ سورة النحل ،
شرح
رَمَيْتَ[ سورة الأنفال ، الآية : 17 ] والثاني باشتماله على ألفاظ نادرة لا تستعملها العامة كقوله أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب يضرب لمن له خبرة وتجربة والظاهر أنه ليس المراد بالغرابة ما ذكر ولذا لم يعرج عليه من بعده من الشراح ، وأنت إذا تتبعت الأمثال ، وجدت أكثرها مخالفا لما ذكره وليت شعري أيّ غرابة في قوله ، السرّ أمانة وقوله السكوت أخو الرضا وأمثاله مما لا يحصى إذا عرفت هذا فأقول أنا استقصيت الأمثال فوجدتها ما بين تشبيه بلا شبهة كقولهم للظالم المتورع هو كالجزار فيهم يذكر اللّه ويذبح ، أو استعارة رائعة تمثيلية أو غيرها نحو أنا جذيلها المحكك ، أو حكمة وموعظة نافعة كالصبر مفتاح الفرج ، أو كناية بديعة أو نظم من جوامع الكلم الموجز وإليه أشار في المستقصي بقوله الأمثال قصارى فصاحة العرب العرباء وجوامع كلمها ونوادر حكمها وبيضة منطقها ، وزبدة حوّاراها وبلاغتها التي أعربت بها عن القرائح السليمة والركن البديع إلى دراية اللسان ، وغرابة اللسن حيث أوجزت اللفظ ، وأشبعت المعنى وقصرت العبارة ، وأطالت المغزى ، ولوحت فأعرقت في التصريح ، وكنت فأغنت عن الإفصاح ، ثم إنّ الظاهر في توجيه عدم التغيير ما ذكروه هنا وإن استظهروا خلافه إلّا أنّ المراد بالغرابة ليس ما مرّ بل المراد أنها لما فيها من البلاغة ، ورونق الفصاحة ، والندرة التي ترقت بها إلى الغاية في بابها حتى عدّت عجيبة جدّا قيل لها غرابة لإطلاق الغرابة على مثله ، أو لكونها من كلام الغير كالتضمين عدت غريبة أجنبية .
وأمّا ما في المفتاح من أنّ الاستعارة التمثيلية قد تغير ألفاظها المؤدّية لمعناها الحقيقي لأنهم صرّحوا بجواز التجوّز في مفرداتها كما مرّ فيه أنّ المثل لا يلزم أن يكون استعارة كما تلوناه عليك آنفا ، وأمّا القول بأنّ الاستعارة مشتملة على الغرابة ففي غاية الغرابة ، وكذا كون العلم لا يغير فالمعنى أنها لكونها فريدة في بابها ، وقد قصد حكايتها لم يجوّزوا تغييرها لفوات المقصود ، وقد صرح بهذا في المستقصي ، هذا وإن طال تطوّلنا بما فيه من الفوائد البديعة فانظره بعين الإنصاف . قوله : ( ثم استعير لكل إلخ ) لما قرّروا للمثل معنى لغويا ، وهو النظير ، ثم معنى ثانيّ نقل منه إليه وهو القول السائر ، وليس واحد منهما مناسبا هنا قالوا إنه استعير من الثاني لمعنى ثالث هو المراد وهو الصفة العجيبة ، وقوله لها شأن وفيها غرابة إشارة إلى العلاقة بينهما ، وهي الاشتراك في الغرابة وعظم الشأن كما اتفق عليه الشرّاح وأرباب الحواشي ، فما قيل من أنّ المثل إذا قصد به القصة لم يرد تشبيهها بذلك القول مما يتعجب منه ، وفي مجمع الأمثال ، ولشدة امتزاج معنى الصفة به صح أن يقال جعلت زيدا مثلا والقوم أمثالا ، ومنه قوله تعالىساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ[ سورة الأعراف ، الآية : 177 ] في أحد القولين ، ثم إنّ الحال والقصة والصفة أمور متقاربة ، وقد جمع المصنّف والزمخشريّ بينها متعاطفة بأو الفاصلة ، ولم ينبهوا على وجهه ( والذي يظهر لي ) أنّ الشأن العجيب لما كان يعلم تارة بالمشاهدة كحال المنافقين ،