تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
ضلالة ، وأتمّ جهالة من المتوقف المعترف بجهله ، فإنه ربما يعذر ، وتنفعه الآيات والنذر ، وإنما فصلت الآية بلا يعلمون ، والتي قبلها بلا يشعرون ، لأنه أكثر طباقا لذكر السفه ولأن الوقوف على أمر الدين ، والتمييز بين الحق ، والباطل مما يفتقر إلى نظر وتفكر ، وأمّا النفاق ، وما فيه من الفتن والفساد ، فإنما يدرك بأدنى تفطن وتأمّل فيما يشاهد من أقوالهم
شرح
مركب ، فكأنه قيل : إنهم جهلاء ، ولكن لا يعلمون أنهم جهلاء . وقوله : ( بجهله ) صفة الجاهل والجازم صفته ، ويصح كونه صفة الجهل ، وبما قرّرناه علم أنه لا يرد على المصنّف رحمه اللّه ما قيل من أنه لا يفهم من قولهأَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُلاعتقاد الباطل ، لأنّ السفه وخفة العقل قد يكون سببا للشك ، وكذا عدم العلم لا يستلزم الجهل المركب ، ولا حاجة إلى الجواب بأنّ المراد بالسفه هنا اعتقاد الباطل ، وبعدم العلم الجهل المركب بقرينة المقام ، لأنه ناشئ من عدم الوقوف على المرام ، وتعدّي الجازم بعلى وهو متعدّ بالباء لتضمنه معنى المصرّ ، فإن قلت إنما يفهم من السفاهة ، ونفي العلم الجهل وأمّا الجزم بخلاف الواقع فليس هنا ما يدلّ عليه ، لأنّ عدم العلم بالجهل محتمل للتحقيق في ضمن عدم العلم بشيء من النقيضين ، وفي ضمن الجزم بمقتضى الجهل ، قلت : هو كما ذكرت إلّا أنّ مقام المبالغة يعين الاحتمال الثاني مع أنّ حالهم يقتضيه لأنّ الجراءة على تسفيه المؤمنين ، والسعي في أذيتهم لا يصدر من العاقل إلّا إذا جزم بذلك فتأمّل . قوله : ( وأتمّ جهالة من المتوقف إلخ ) قيل عليه مراتب الجهل أربع : أحدها ما وصفه المصنّف رحمه اللّه بالأتمية ، وبعدها الظان لخلاف الواقع ، وبعدها المتوقف عن التصديق بأحد الطرفين المتردّد بينهما من غير اعتراف بجهله ، ورابعها المتوقف المعترف ، فكان ينبغي أن يقول أتم جهالة من غير الجازم ، ليشمل الصور الثلاث أو يكتفي بالثاني لتلزم الأتمية بالنسبة إلى الثالث والرابع بطريق الأولى غير أنه ذكر المعترف ليتصل به قوله : فإنه ربما يعذر كمن أسلم في دار الحرب ، أو نشأ في بادية ، أو على رأس جبل لاعترافه بجهله ، واستعداده لقبول الحق ، فينتفع بالآيات والنذر ، كما يعذر المؤمن المعترف بذنبه بخلاف الجاهل الجازم بجهله الآبي عن الحق والنذر جمع نذير . قوله : ( وإنما صلت الآية إلخ ) فصلت مجهول من التفصيل ، فهو مشدّد الصاد أي أتى بفاصلة كقفي إذا أتى بقافية والفاصلة في النثر بمنزلة القافية في الشعر ، وهذا بناء على أنه يجوز أن يقال في القرآن سجع وفواصل ، وفيه تفصيل ذكرناه في غير هذا المحل ، وفي بعض شروح الكشاف فصلت بتشديد الصاد المهملة من التفصيل ، وفي بعض النسخ بتخفيفها من الفصل ، فجوّز فيه وجهين أي ختمت هذه الآية بلا يعلمون دون لا يشعرون لما ذكر . وقوله : ( أكثر طباقا ) الطباق كالمطابقة من الأسماء المتضايفة ، وهو أن يجعل شيء فوق آخر هو بقدره ، ومنه طابق النعل النعل لكونه فوقه يقابله ، ولكونه بقدره يوافقه فلذا أطلق الطباق في اللغة على الموافقة ، والمناسبة وأطلق في الاصطلاح البديعي على الجمع بين المتضادّين لتقابلهما في الجملة ، ولذا ذهب الأكثر هنا إلى أنّ المراد الثاني لأنّ في السفه جهلا ، كما مرّ فذكر العلم معه جمع بين متضادّين في الجملة فالطباق بديعي ، وقيل : المراد