فلعله أراد به أنّ أهله ليس الذين كانوا فقط بل وسيكون من بعد من حاله حالهم ، لأنّ الآية
شرح
الآية : 91 ] وقولهوَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا[ سورة البقرة ، الآية : 76 ] معطوفان على قولهوَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوافلو عطف على يكذبون كانا أيضا معطوفين عليه فيدخلان في سبب العذاب ، فتنتفي فائدة اختصاص الكذب بالذكر المبنيّ عليه ما مرّ ، وقيل عليه إنّ الثلاثة حينئذ معطوفة على يكذبون عطفا تفسيريا لكذبهم لأنّ قولهمإِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَوأَ نُؤْمِنُإلخ وآمنا كذب فلا يقابل الكذب حتى يبطل الاختصاص وفائدته .
وأجيب عنه بأنّ جعل العطف تفسيريا يأباه تصريحه بأنّ المراد بكذبهم قولهمآمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِوقولهأَ نُؤْمِنُإنشاء لا يلحقه الكذب وفائدة الاختصاص تفهم من تقديمه ، والتصريح بكونه سببا أوّل وهلة ، ثم إنه اختار مسلكا آخر ، وهو أنّ الأوّل أوجه على قراءة يكذبون بالتشديد والثاني أنسب بالتخفيف لأنه يكون سببا للجمع بين ذمهم بالكذب والتكذيب ، وعلى الثاني يكون تأكيدا والتأسيس أولى ، وفيه نظر فتدبر . قوله : ( وما روي عن سلمان إلخ ) هذا أثر روي عن سلمان الفارسيّ الصحابي المشهور رضي اللّه عنه كما أخرجه ابن جرير عنه وكذا تأويله الذي ذكره المصنّف عنه ، وعبارته كما نقله عنه خاتمة الحفاظ السيوطي لعله قال ذلك بعد فناء الناس الذين كانوا بهذه الصفة على عهده صلّى اللّه عليه وسلّم خبرا منه عمن هو جاء منهم بعدهم ، وإن لم يجيء وقوله بعد مبنيّ على الضم ، وهذا الاستعمال معروف يقال لم يكن كذا بعد أي إلى الآن لأنّ التقدير بعدما مضى من الزمان ، وتفسيره بأنه بعد هؤلاء ، أو بعد زمانه عليه الصلاة والسلام ليس بتام ، والمراد بأهل الآية من ذكر فيها ووصف بها ، فسموا أهلها توسعا لظهور معناه . قوله : ( فلعله أراد به إلخ ) قد مرّ أنّ المصنّف دأبه أن يعبر بلعلّ عما لم يجزم به لا لما هو من نتائج قريحته كما يريده غيره بهذه العبارة ، وما ذكره من الأثر وتوجيهه حاصله أنّ الآية في المنافقين مطلقا لا تختص بمنافقي عصره أو منافقي المدينة ، وإن نزلت فيهم لأنّ خصوص السبب لا ينافي عموم النظم كما هو مشهور ، فالآية عامة تشملهم ، وتشمل من يأتي بعدهم عن جنسهم ولا يريد أنها مخصوصة بقوم آخرين مباينين لهؤلاء بالكلية حتى يقال إنه مناف لظاهر النظم وعود الضمير على ما بعد ، ولذا قيل إنّ المرويّ يدل بظاهره على أنّ المراد بهذه الآية غير المراد بما قبلها فلا يكون عطفا على يقول أو يكذبون ، ولا يمكن أن يراد به ظاهره ، فلعله أراد به أنّ أهل هذه الآية ليسوا الذين كانوا موجودين عند نزولها فقط بل وسيكون من بعد من حاله حالهم ، وإنما لم يمكن إرادة ظاهره لأنّ الآية متصلة بما قبلها بالضمير الذي هو في لهم ، وقالوا فيقتضي أن يراد بهذه الآية الناس المذكورون في الآية المتقدّمة ، وإلّا لم يحسن عود الضمير على من قبل كما يشهد به سلامة الفطرة ، وأمّا ما قيل من أنّ توجيه المصنّف رحمه اللّه لا يخفى بعده ، والأوجه أنّ المراد أهل الاتعاظ بهذه الآية من مفسدي الأرض من المسلمين لأنه لم يكن في زمنه عليه الصلاة والسلام من المؤمنين