تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
يستأنسون بأمثالهم ، أو آنس لأنهم ظاهرون مبصرون ، ولذلك سموا بشرا كما سمي الجنّ جنا لاجتنانهم واللام فيه للجنس ومن موصوفة إذ لا عهد ، فكأنه قال ومن الناس ناس
شرح
ووزنه على الأوّل عال ، وعلى الثاني فعل وعلى الثالث فلع ، وأمّا الاستدلال بنويس فعورض بأشياء على كلام فيه في كتب اللغة ، والأخذ أعمّ من الاشتقاق ، وهو كما في خصائص ابن جني صوغ الكلمة سواء كانت مشتقة أو جامدة من مادة توجد في تصاريفها ، ويدور عليها المعنى ، فلا يرد على المصنّف أنّ الاشتقاق يكون في الأفعال والصفات ، وهذا جامد ولا أنّ الفعل لا يشتق منه على الأصح ، وعلم منه سقوط قول الإمام لا يجب في كل لفظ أن يكون مشتقا من شيء آخر وإلّا لزم التسلسل ، فلا حاجة إلى جعل الإنسان مشتقا . وقوله : ( ولذلك سموا بشرا ) أي لظهور جلودهم ، ومنه البشرة لظاهر الجلد والأدم لباطنه لخلوها من ستر الشعر ونحوه مما هو في سائر الحيوانات ، ويستوي في لفظ البشر الواحد وغيره في الأكثر ، وحيث ورد في القرآن فالمراد ما يتعلق بجثته كقولهوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً[ سورة الفرقان ، الآية : 54 ] والجنّ مقابل به وسمي به لاجتنانه واستتاره ، وكذا كل ما تدور عليه هذه المادّة . قوله : ( واللام فيه للجنس إلخ ) هذا تلخيص لما في الكشاف من قوله ، ولام التعريف فيه للجنس ، ويجوز أن تكون للعهد والإشارة إلى الذين كفروا المارّ ذكرهم ، كأنه قيل ومن هؤلاء من يقول وهم عبد اللّه بن أبيّ وأصحابه ، ومن كان في حالهم من أهل التصميم على النفاق ، ونظير موقعه موقع القوم في قولك نزلت ببني فلان فلم يقروني والقوم لئام ، ومن في من يقول موصوفة كأنه قيل ، ومن الناس ناس يقولون كذا كقولهمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ[ سورة الأحزاب ، الآية : 23 ] إن جعلت اللام للجنس وإن جعلتها للعهد فموصولة كقوله ومنهم الذين يؤذون النبيّ فإن قيل أيّ فائدة في الإخبار عمن يقول : بأنه من الناس أجيب بأنّ فائدته التنبيه على أنّ الصفات المذكورة تنافي الإنسانية ، فيتعجب منها ومن كون المتصف بها منهم ، وردّ بأنّ مثل هذا التركيب يجيء في مواضع لا يتأتى فيها مثل هذا الاعتبار فلا يقصد فيها إلّا الاخبار بأنّ من هذا الجنس طائفة متصفة بكذا كقولهمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ[ سورة الأحزاب ، الآية : 23 ] فالأولى أن يجعل مضمون الجار والمجرور مبتدأ على معنى ، وبعض الناس أو بعض منهم من اتصف بما ذكر ، فيكون مناط الفائدة تلك الأوصاف ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأوّل معناه مبتدأ ، ويرشدك إليه قول الحماسي :منهم ليوث لا ترام وبعضهم * مما قمشت وضمّ حبل الحاطبحيث قابل لفظة منهم بما هو مبتدأ ، وهو لفظ بعضهم ، وقوله تعالىمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ[ سورة آل عمران ، الآية : 110 ] وقد يقع الظرف فيه موقع المبتدأ بتقدير موصوف ، كقوله تعالىوَمِنَّا دُونَ ذلِكَوَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ[ سورة الصفات ، الآية : 164 ] فالقوم قدّر والموصوف في الظرف الثاني ، وجعلوه مبتدأ والظرف الأوّل خبرا ، وعكسه أولى بحسب المعنى أي جمع منا دون ذلك ، وما أحد منا إلّا له مقام معلوم لكن وقوع الاستعمال
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 468 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي