. . .
شرح
والشياطين وقبائح الشرور كلها إليه تعالى ، فإن قيل قد أسندتموها أنتم إليه حقيقة ، فلم تنكرون إسنادها مجازا قيل نحن نسند خلقها إليه لا نفسها ، ولو سلم فلا قبح في إيجادها عندنا بل في الاتصاف بها ، كما مرّ وأنتم تدّعون قبحها ، ولك أن تقول هو غير وارد رأسا فإنهم لم يقولوا بجوازه وإنما قالوا ما ورد منه موهما للقبح تؤوّله ، كما اتفقوا على تأويل اليد ونحوها مما يوهم التجسيم وإن لم يجز إطلاقنا الجارحة عليه تعالى نعم الاقدار والتمكين من القبيح قالوا إنه قبيح أيضا كما منع الشرع من بيع آلات القتال من أهل الحرب فما كان جوابهم فهو جوابنا ، فإن قلت على ما ارتضيناه من الوجه السابق فيه مجاز في الإسناد أيضا كهذا ، فهو تكرار محض وهو الداعي لشراح الكشاف بأسرهم على جعله كناية إيمائية في الإثبات كما مرّ ، وإن كان تكلفا لكنه كما قيل :تدعو الضرورات في الأمور إلى * سلوك ما لا يليق بالأدبقلت : التجوّز في الإسناد على وجهين لأنه يكون بجعل الفعل كالفعل في معنى كالثبات والرسوخ السابقين ، أو الفاعل كالفاعل للملابسة بينهما ، وكل منهما مجاز حكميّ إلّا أنّ الأوّل فيه حشمة وأدب عندهم ، فلذا قدم لا يقال لم يجيء الإسناد لتنزيل الفعل منزلة الفعل ، ولم يتعرّض له أحد من أهل المعاني ، وإنما جاء لتنزيل الفاعل ، لأنا نقول هذه شهادة نفي لا تسمع ، ولو قبلت قلنا إذا شبه الفعل بالفعل لزم منه تشبيه الفاعل بالفاعل ، والملابسات لا تنحصر كما مرّ .فلا تظن السراب بحراوأيّ بأس في جعل وجهي المجاز الحكمي جوابين ، وقد فعل مثله في التمثيل من غير أن يستبعده أحد من شراحه وما قيل هنا من أنه بقي وجه آخر لم يذكر ، وهو أن يستعار الختم للأقدار والتمكين من الاعراض الكليّ عن الحق الموجب لعدم نفوذه ووصوله إلى محال القبول تشبيها لإعطاء القدرة على ذلك الاعراض السادّ لطرق النفاذ بالختم ، وهو من اللّه لأنّ الأقدار ، والتمكين لا يقبح عندنا وعندهم ليس بشيء لأنه يصير المعنى حينئذ أقدرهم اللّه على الختم ومراده أنه أقدرهم على إحداث الكفر والمعاصي ، فإن قيل المعنى أقدرهم على الختم المتجوّز به عن إحداث ذلك فهو تعسف بلا قرينة ، ثم إنّ المصنّف رحمه اللّه أسقط تمثيله في الكشاف بناقة ضبوث وقوله :إذا ردّعا في القدر من يستعيرهالأنه غير متعين لما مثل له كما في شروحه مع أنّ شهرة المجاز الحكمي تغني عن التمثيل ، ولذا أسقط ما فيه من التفصيل ، ثم إنّ قوله فعل الشيطان أو الكافر تبع فيه الزمخشريّ ، وهو مناف لمذهب المعتزلة ، لأنهم قالوا لو لم تكن العباد خالقين لأفعالهم ، لكان