تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
الثاني : إن المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها اللّه تعالى خالية عن الفطن
شرح
على أنّ الزمخشريّ جعل هذا الوجه مقابلا للوجه الثالث الذي ذكره المصنف وصرّح فيه بأنه إسناد مجازيّ ، فلو كان هذا من المجاز الإسنادي كان ذلك لتفصيل ما هنا لتقدّمه . وأمّا ثانيا فلأنّ إسناد الختم إليه تعالى إنما يفيد كون الإعراض عن الحق متمكنا في قلوبهم ، لو كان كل ما يحدثه اللّه في العبد خلقيا لازما له وليس كذلك . وأمّا ثالثا فلأنّ إسناد القبيح إليه تعالى ، وإن كان مجازا مما لا يقدم عليه عاقل ومجبول بمعنى مطبوع مخلوق من الجبلة بكسرتين وتثقيل اللام وهي الطبيعة والخليقة والغريزة بمعنى ، وجبلة اللّه على كذا فطره فهو مجبول . قوله : ( الثاني أنّ المراد به تمثيل حال قلوبهم إلخ ) هذا ملخص قوله في الكشاف : ويجوز أن تضرب الجملة كما هي وهي ختم اللّه على قلوبهم مثلا كقولهم سال به الوادي إذا هلك ، وطارت به العنقاء إذا أطال الغيبة ، وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ، ولا في طول غيبته وإنما هو تمثيل مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي ، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء ، فكذلك مثلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم اللّه عليها نحو قلوب الاغتام التي هي في خلوها عن الفطن كقلوب البهائم ، أو بحال قلوب البهائم أنفسها ، أو بحال قلوب مقدّر ختم اللّه عليها حتى لا تعي شيئا ولا تفقه وليس له عز وجل فعل في تجافيها عن الحق ونبوّها عن قبوله ، وهو متعال عن ذلك اه وفي قوله تضرب الجملة إشارة إلى الفرق بين هذا التمثيل والتمثيل السابق ، وهو أنّ العمدة ثمة والتصرّف في الختم وهنا في مجموع الجملة وتحقيقه أنه لما ذهب إلى أنّ القبائح الصادرة من العباد مخلوقة لهم ، ولا يجوز صدورها عنه تعالى بناء على قاعدة الحسن والقبح ، فلا يجوز حينئذ أن تنسب حقيقة إلى اللّه تعالى على زعمهم كما فصل قبولا وردا في الأصلين وشهرته تغني عن ذكره توجه السؤال على إسناده في الآية ، فأجاب أولا بأنه إنما يمتنع حقيقة ، وهو هنا إسناد مجازيّ للدلالة على تنزيله منزلة الجبليّ المطبوع عليه ، وثانيا بأنه لو سلم إسناده إليه على الحقيقة فليس الختم فيه بالمعنى السابق حتى يلزم المحذور على زعمهم إذ المراد به خلقهم على فطرة خالية عن الفطنة غير قابلة لانتقاش صور كثيرة من المدركات كالبله المجاذيب ، أو البهائم الغلف ومثله مما ينسب إلى اللّه بالاتفاق لخلقه الذكيّ والأحمق ، والمعتزلة يؤوّلون ما يدل على خلقه تعالى للأفعال بجعلها عبارة عن التوفيق ، ومنح الألطاف في الحسن والخذلان ومنعها في ضدّه ، ونحو ذلك من إفاضة الاستعداد وعدمها ، ثم شبهت حال هؤلاء في الاعراض عن الحق ، والإصرار على عدم النظر والإصغاء له بحال أغتام ، أو أنعام ختم اللّه على مشاعرها بخلقها كذلك ، فالختم بمعنى ذلك الختم مجاز لكنه مسند إلى اللّه حقيقة لصدور ذلك المعنى المجازي عنه ومجموع ختم اللّه مجاز مركب قد تجوّز في بعض مفرداته ، ومثله مشهور لا تكلف فيه ، أو شبهت حالهم بحال مخلوق لا نعرفه قد ختم اللّه على قلبه من غير واسطة بطابع حقيقيّ فالاستعارة تمثيلية لا تجوّز في شيء من مفرداتها إلّا أنّ