أسندت إليه ، ومن حيث إنها مسيبة عما اقترفوه بدليل قوله تعالى :
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
[ سورة النساء ، الآية : 155 ] وقوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ
[ سورة المنافقون ، الآية : 3 ] وردت الآية ناعية عليهم شناعة صفتهم ، ووخامة عاقبتهم واضطربت المعتزلة فيه ، فذكروا وجوها من التأويل : الأول : إن القوم لما أعرضوا عن
شرح
وأعجب منه ما قيل في توجيهه من أنّ الآية منصوب على الظرفية ، والتقدير من حيث أنها مسببة عما اقترفوه وردت في الآية ناعية عليهم فاستسمن ذا ورم ، ونفخ في غير ضرم وحاصل ما ردّ به المصنّف رحمه اللّه عليه أنّ الممكنات كلها واقعة بإيجاده وقدرته وإن كانت معاصي قبيحة لأنه لا قبح في إيجادها بل في كسبها والاتصاف بها ، كالمصوّر لصورة قبيحة إذا تمّ محاكاتها فإنه يدلّ على جودة تصوّره وتصويره والقبح إنما هو في ذي الصورة لا في التصوير . قوله :
( مسببة عما اقترفوه إلخ ) اقترفوه بمعنى اكتسبوه من القبائح لأنه من القرف ، وهو قشر اللحاء عن العود والجليدة عن الجرح ، ثم استعير للاكتساب مطلقا إلّا أنه متعارف في القبيح والإساءة كما قيل : الاعتراف يزيل الاقتراف ، وهو المراد هنا وفيه إشارة إلى أنّ الباء في الآيتين سببية كما سيأتي في محله ، وناعية بمعنى مظهرة ومنادية بتشهير قبائحهم وفيه إيماء إلى أنّ قبائحهم كأنها مهلكة ، وقاتلة لهم كأنهم قتلوا بها أنفسهم :قتل المسئ بما جنته نفسه * حقا وقاتل نفسه في الناروفي الأساس عن الفراء النعي رفع الصوت بذكر الموت وكانت العرب إذا مات من له قدر ركب راكب وسار في الأرض قائلا نعاء فلانا ثم قيل مجازا نعى عليه هفوته إذ أشهرها ، والشناعة كالقباحة وزنا ، ومعنى والوخامة بفتح الواو والخاء المعجمة كالوخام مصدر وخم البلد والمرعى بالضم إذا كان فيه وباء وفساد هواء يضرّ ساكنه ، فاستعير هنا لكون العاقبة غير حميدة وهو إشارة لقوله ولهم عذاب عظيم كما أنّ ما قبله لما قبله ، وهذا ردّ على ما ادّعاه من أنّ القباحة ونعيها يأبى إسناده إلى اللّه على الحقيقة ، فإنّ الإسناد للاحداث والإيجاد والنعي لاتصافهم بما اقترفوه من الفساد ولا منافاة بينهما . قوله : ( واضطربت المعتزلة إلخ ) أي تخالفت أقوالهم فيما أسند إليه تعالى مما مرّ ونحوه لمخالفته لما ادّعوه مما نحن في غنية عن إعادته لشهرته في كتب الأصول ، والاضطراب افتعال من الضرب يقال : اضطرب أمره وفي أمره إذا اختلف اختلافا يؤدّي إلى الاختلال . قوله : ( الأوّل أنّ القوم لما أعرضوا إلخ ) هذا ما ذكره الزمخشريّ بقوله القصد إلى صفة القلوب إلخ كما ذكرناه آنفا ، وقد قال قدّس سرّه : إنه يعني أنّ الإسناد إليه تعالى كناية عن فرط تمكن هذه الصفة التي هي الهيئة الحادثة المانعة ، وثبات رسوخها في قلوبهم وأسماعهم ، فإنّ كونها كذلك يستلزم كونها مخلوقة للّه صادرة عنه فذكر اللازم لينتقل منه إلى الملزوم المقصود فيصدق به ألا تراهم يقولون هو مجبول على كذا ولا يعنون خلقه عليه بل ثباته وتمكنه فيه ولما لم تمكن حقيقة الإسناد على مذهبه وجب عدّه مجازا متفرّعا على الكناية كما ذكره في قوله تعالىوَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ[ سورة آل عمران ، الآية : 77 ] وأنّ