تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
المؤفة بها بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها ختما وتغطية ، وقد عبر عن إحداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ
[ سورة النحل ، الآية : 108 ] بالإغفال في قوله تعالى :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا
[ سورة الكهف ، الآية : 28 ] وبالاقساء في قوله تعالى :
وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً
[ سورة المائدة ، ]
شرح
والعمدة في تلك الحالة المركبة ، فيلاحظ باقي الأجزاء بألفاظ متخيلة إذ لا بدّ في التركيب من ملاحظات قصدية متعلقة بتلك الأجزاء ، ولا سبيل إلى ذلك إلّا بتخيل ألفاظ بإزائها ، وقد قدّمنا لك ما له وعليه في تحقيق الاستعارة في قوله تعالىعَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْفليكن على ذكر منك ، وقد يتوهم من ظاهر العبارة أنّ المشبه القلوب والأسماع ، وأنّ الختم تخييل كما ذهب إليه بعضهم ، وللّه درّ القائل جزاه اللّه خيرا أنه إذا كان الغرض الأصليّ الواضح الجليّ تشبيه المصدر وذكر المتعلقات بالتبع ، فالاستعارة تبعية كما في قوله :تقري الرياح رياض الحزن مزهرة * إذا جرى النوم في الأجفان إيقاظافإنّ حسن التشبيه بحسب الأصالة إنما هو فيما بين هبوب الرياح والقرى لا فيما بين الرياض والضيف أو الإيقاظ والطعام ، وإذا كان في المتعلق وذكر الفعل تبعا كما في ينقضون عهد اللّه ، فاستعارة بالكناية لشيوع تشبيه العهد بالحبل ، وإن كان الأمران على السواء كما في نطقت الحال ، فمحتمل إذ كل من تشبيه الدلالة بالنطق والحال بالناطق حسن كما مرّ . قوله : ( ومشاعرهم المؤفة إلخ ) المشاعر الحواس ، وقولهوَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ *معناه لا تدركون بالحواس وهو جمع مشعر بفتح الميم وكسرها لأنه محل الشعور أو آلته إلّا أنه لا يعرف في الاستعمال كالجمع ، والمؤفة بزنة معونة بفتح فتضم يليه واو ونون وهاء أي التي أصابها ما أفسدها وأبطل إحساسها ، وهي اسم مفعول من الآفة بمعنى العاهة أعلّ إعلال مقولة إلّا أنّ فعله لازم وهو آف الزرع إذا أصابته آفة وقد سمع تعدّيه في قولهم ايف الزرع بزنة قيل فصيغة المفعول على هذا مقيسة ، وعلى ما قبله على خلاف القياس ولذا أنكره بعض اللغويين . وفي كتاب الأفعال للسرقسطي آف القوم أوفا إذا دخلت عليهم مشقة ويقال في لغة ايفوا وقال الكسائيّ : طعام مؤف إذا أصابته آفة ، وأنكر أبو حاتم طعام مؤف اه وضمير بها للنفوس ، وقد سقط من بعض النسخ والباء بمعنى في وعوده على الهيئة والباء للسببية جائز ، وبأشياء متعلق بمثل والاستنفاع طلب النفع ، وكأنه آثره على الانتفاع مع أنه المعروف في الاستعمال لأنه أبلغ فإنه إذا حيل بينه وبين طلب النفع فقد حيل بينه وبين الانتفاع بالطريق الأولى وختما وتغشيه منصوبان على التمييز ، ومنه تعلم أنه يجوز أن يكون مجازا مرسلا باستعماله في لازم معناه وهو المنع والحيلولة ولم يتعرّضوا له لأنّ الاستعارة أنسب وأبلغ . قوله : ( وقد عبر عن إحداث هذه الهيئة إلخ ) هذا مأخوذ من كلام الراغب بعينه كما قدّمناه يعني أنه كما عبر عن إحداث هذه الهيئة بالختم عبر عنه بما ذكر ، فالطبع تصوير الشيء بصورة مّا كطبع السكة وطبع