. . .
شرح
القصد من الفحوى وهو كلام حسن ، وكثيرا ما تراه في كلامهم ولفظ الغشاوة استعير من معناه الأصلي لحالة في أبصارهم مقتضية لعدم اجتلاء الآيات والدلائل ، فهي استعارة أصلية مصرّحة من محسوس لمعقول كما مرّ لا تبعية كما سيأتي ، ودعوى أنّ الأبصار مكنية لا يأباه الحكم بأنّ الختم والتغشية مجاز ، وقد عرفت أنه غير مقبول ، ويوضحه ما ذكره المدقق في الكشف من أنه إنما يكون إذا اتضح كون التخييل من روادف المسكوت عنه ، وكان شائعا لائحا تشبيهه بالمستعار منه ، كما في نحويَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ[ سورة البقرة ، الآية : 27 ] وعالم يغترف منه الناس إذ لا فرق بينهما سوى أنّ النقض تمهيد لكون المنقوض حبلا والاغتراف منه لكونه بحرا ، وأنّ لهما مزيد اختصاص بالحبل والبحر وتشبيه العهد والعالم بهما مستفيض لا كتشبيه القلوب بالأواني ، فإنه إنما يؤخذ من إيقاع الختم عليها والمشبه أحداث ذلك والمشبه به ضرب الخاتم وقيل شبه عدم نفوذ الحق في القلوب وتحقيق نبوّ الاسماع عن قبوله بكونها مختوما عليها ومغطى عليها تشبثا بقوله كأنها مستوثق منها بالختم ، واعترض عليه بأنه إذا كان المشبه به المختومية كان استعارة في المصدر المبنيّ للمفعول .
وأجيب بأنّ مصدر الفعل المتعدّي يشتمل على معنى المصدر المبنيّ للمفعول كما صرّح به قدّس سرّه في بحث متعلقات الفعل من شرح المفتاح : والمقصود هنا استعارة المختومية لحالة القلوب والاسماع ، وإظهار المشابه بينهما ويلزم ذلك استعارة خاتميته تعالى بالتبعية فالمستعار لفظ المصدر المبنيّ للفاعل المتعدي ، لكن المقصود نسبته إلى المفعول التي هي جزء منه والتشبيه به بل التشبيه يلازم هذا الجزء الذي هو الهيئة والحالة ، لكن أداؤه بالفعل لا يمكن إلّا بإحدى النسبتين ، فالظاهر حينئذ أن يجعل المشبه الهيئة التي يلزمها عدم نفوذ الحق لكن المقصود ما ذكرنا ، وبهذا علم ما وعدته في تأنيث ضمير سماها . قوله : ( وتغشية ) قد قدّمنا لك أنّ هذه الاستعارة أصلية تصريحية لا تبعية ، وقد قيل إنه ظاهر تقرير المصنّف والزمخشريّ حيث جعلا المشابهة بين عدم اجتلاء الأبصار والتغشية ، وحيث قالا لا ختم ولا تغشية وإليه ذهب الرازي في شرح الكشاف وتابعه بعضهم فيه ، وأيده بعض المدققين بأنهم جعلوا الاستعارة تبعية في أسماء الزمان والآلة ، وسائر المشتقات لأنّ المقصود الأهم فيها هو المعنى القائم بالذات لا نفس الذات ، فينبغي أن يعتبر التشبيه فيما هو الأهم فتكون تبعية ، فإن جعلنا الغشاوة اسم آلة كما ذكر في لفظ الإزار والإمام فيجب أن تكون تبعية ، وإلّا فلا يخلو عن خفاء ا ه . وقيل المفهوم من هذا أنّ في قوله تعالىوَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌاستعارة تبعية كما في ختم ، فكأنهم جعلوه بمعنى غشى الماضي ، كما يدلّ عليه قوله ما معنى الختم على القلوب والأسماع ، وتغشية الأبصار ويؤيده قراءة النصب على تقدير وجعل على أبصارهم غشاوة فيوافق ما في سورة الجاثية وهو قوله تعالىوَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً[ سورة الجاثية ، الآية : 23 ] أو على حذف الجارّ كما سيأتي وهو مخالف لما في شرح الكشاف من أنه استعارة