تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
وحيل بينها وبين الأبصار وسماه على الاستعارة ختما وتغطية أو مثّل قلوبهم ومشاعرهم
شرح
للتوجيه المشهور ، وقد مرّ أنه لا خلاف بين أهل السنة والمعتزلة في المجازية وإنما الخلاف في الإسناد بعد التجوّز . وقال الإمام الراغب : أجرى اللّه العادة أنّ الإنسان إذا تناهى في اعتقاد باطل وارتكاب محظور فلا يكون منه تلفت بوجه إلى الحق يورثه ذلك هيئة تمرّنه على استحسان المعاصي ، وكأنما يختم بذلك على قلبه وعلى ذلك قوله تعالىأُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ[ سورة النحل ، الآية : 108 ] وعلى هذا النحو استعارة الإغفال في قولهأَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا[ سورة الكهف ، الآية : 28 ] واستعارة الكنّ في قولهوَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً[ سورة الأنعام ، الآية : 25 ] واستعارة القساوة في قولهوَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً[ سورة المائدة ، الآية : 13 ] اه وهو كلام حسن ومنه أخذ المصنّف رحمه اللّه ، ثم اعلم أن البزار روى حديثا مرفوعا عن ابن عمر فيه أنّ الطابع معلق بقائمة العرش فإذا عمل العبد بالمعاصي ، واجترأ على اللّه بعث اللّه الطابع فيطبع على قلبه ، فلا يعقل بعد ذلك شيئا فقيل : إنه روي مثله في كثير من الأحاديث فحملها من لم يتضلع من الحديث على المجاز ، والأقوى كما في شرح السنة للبغوي إجراؤها على الحقيقة إذ لا مانع منها والتأويل خلاف الأصل ولا يخفى أنه مذهب الظاهرية والحس والعقل شاهدان للتأويل ، فلا يغرّنك كثرة القال والقيل . قوله : ( وسماه ) بتذكير الضمير كما في أكثر النسخ ، وهو راجع إلى الاحداث أو الحدوث وفي بعض النسخ سماها بتأنيثه والظاهر رجوعه للهيئة ، وهي الكيفية والحالة محسوسة كانت أو لا فإمّا أن يكون بتقدير مضاف أي إحداثها أو لا يقدر لما سيأتي من أنّ الهيئة مستعار لها أيضا في بعض الوجوه . قوله : ( على الاستعارة إلخ ) الاستعارة تستعمل بمعنى المجاز مطلقا ، وبمعنى مجاز علاقته المشابهة مفردا كان أو مركبا وقد تخص بالمفرد منه ، وتقابل بالتمثيل كما في مواضع كثيرة من الكشاف والتمثيل وإن كان مطلق التشبيه غلب على الاستعارة المركبة ولا مشاحة في الاصطلاح ، وحاصل ما قرّروه هنا أنّ الختم استعير من ضرب الخاتم على الأواني ونحوها لأحداث هيئة في القلب والسمع تمنع من خلوص الحق إليهما كما يمنع الختم فهي استعارة محسوس لمعقول بجامع عقليّ هو الاشتمال على منع القابل عما من حقه أن يقبله ثم اشتق منه الماضي ففيه استعارة تصريحية تبعية ، ويلزم من التشبيه الذي تتضمنه هذه الاستعارة تشبيه القلوب والأسماع بالأواني كما في جوامع الكلم بل بالاقماع المقفلة إلّا أنه هنا تابع لذلك التشبيه لم يقصد ابتداء ، فبطل ما توهم من أنّ في القلوب والاسماع مكنية مخيلة بالختم إذ ردّ التبعية في مثله إلى المكنية غير مرضيّ ، ومنه تعلم أنّ ما في العبارة من قوله بجعل قلوبهم وأسماعهم كأنها مستوثق منها بالختم لا يدل عليه كما تخيلوه وهو كقولهم في نطقت الحال أنها جعلت لكونها دالة كأنها ناطقة مع أنّ المراد تشبيه دلالتها بالنطق لا تشبيهها بالناطق فهو بيان لحاصل الكلام ، ولذا قيل لفظة كأنّ كثيرا ما تستعمل عند عدم الجزم بالشيء من غير قصد إلى تشبيه نحو كأنّ زيدا أخوك ، فكنى بها هنا عن عدم