تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
ولا ختم ولا تغشية على الحقيقة ، وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرّنهم على استحباب الكفر والمعاصي ، واستقباح الإيمان ، والطاعات بسبب غيهم ، وإنهما كهم في التقليد واعراضهم عن النظر الصحيح ، فتجعل قلوبهم بحيث لا ينفذ فيها الحق ، وأسماعهم تعاف استماعه ، فتصير كأنها مستوثق منها بالختم وأبصارهم لا تجتلي الآيات المنصوبة لهم في الأنفس والآفاق ، كما تجتليها أعين المستبصرين ، كأنهم غطي عليها
شرح
وغشى كغطى لفظا ومعنى والعصابة ما يعصب على الرأس ويدار عليها قليلا فإن زاد فعمامة وهي معروفة . قوله : ( ولا ختم ولا تغشية إلخ ) توطئة لبيان المراد وإشارة إلى قرينة المجاز العقلية وإلى ضعف حمله على الحقيقة كما نقله الراغب عن الجبائي من أنه تعالى جعل ختما على قلوب الكفار ليكون دليلا للملائكة على كفرهم ، فلا يدعون لهم وليس بشيء ، لأن هذه الغشاوة إن كانت محسوسة ، فمن حقها أن تدركها أصحاب التشريح وإلّا فهم باطلاعهم على اعتقادهم ، وأحوالهم مستغنون عنها وسيأتي في كلام المصنّف رحمه اللّه ما يشير إليه ، وما قيل من أنه لم يحمل على الحقيقة تحاشيا عن نسبة الظلم والقبيح ليس بشيء لأنه ليس مذهب أهل السنة ، وكذا ما قيل إنه لا يتصوّر في شأنه وحمله على حقيقته غنيّ عن الردّ وما روي عن الحسن من أنّ الكافر إذا بلغ في الغواية غايتها رين في قلبه الكفر وعلم اللّه منه أنه لا يؤمن فذلك هو الختم دليل على المجاز لا الحقيقة كما توهم وأمّا إسناده بعد التجوّز فحقيقة عند أهل السنة مجاز عند المعتزلة لمنعهم من إسناد القبيح إلى اللّه تعالى كما نقل مفصلا عن الكمال القاشاني . قوله : ( وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم إلخ ) لما لم تصح الحقيقة علم امتناع الكناية أيضا والكناية المتفرّع عليها المجاز مجاز بحسب نفس الأمر ، فبقي أنه مجاز مرسل أو استعارة كما ستراه ، والإحداث والإيجاد بمعنى والمراد بالنفوس الذوات المشتملة على الجوارح والمشاعر ، والهيئة الصفة والحال التي هم عليها والتمرّن الاعتياد يقال : مرن على الشيء مرونا من باب قعد ومرانة بالفتح إذا اعتاده وداومه وأصله التليين وبسبب متعلق بيحدث ، ويجوز تعلقه باستحباب واستقباح وتنازعهما فيه ، والغيّ الضلال ، والانهماك التوغل واللجاج ، وتعاف بمعنى تكره وتنفر ويحدث بضم الياء التحتية وكسر الدال ، فهيئة منصوب والمحث هو اللّه تعالى ويجوز قراءته بفتح التاء الفوقية وضم الدال ورفع هيئة على الفاعلية ، وجملة تمرّنهم صفة لهيئة . وقوله : ( فتجعل ) بالمثناة الفوقية مرفوع معطوف على قوله تمرّنهم والضمير المستتر فيه للهيئة والإسناد مجازيّ أو بالتحتية ، وهو منصوب معطوف على يحدث على الأوّل وفاعله المستتر للّه والإسناد حقيقيّ وقوله فتصير ضميره للإسماع والقلوب . وقوله : ( وأبصارهم ) معطوف على أسماعهم أو قلوبهم وتجتلي بمعنى تنظر أو بمعنى تراها مجلوّة عليها كالعروس ففيه استعارة مكنية وتخييلية . وقوله : ( كأنها ) بدل من قوله لا تجتلي وفي نسخة فتصير كأنها وحيل مجهول بمعنى وقعت الحيلولة . وقوله : ( كأنها مستوثق إلخ ) بيان للمناسبة بين ما أريد به ومعناه الحقيقي كما مرّ ، وليس هذا معنى مجازيا حتى يكون المراد مجازا بمرتبتين محتاجا