احتج به من جوّز تكليف ما لا يطاق فإنه سبحانه وتعالى أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون
شرح
يُؤْمِنُونَعلى أنه مبتدأ وخبر مردود لا يلتفت إليه وإن نقله الهذلي رحمه اللّه في كتاب الوقف والابتداء كما في الدرّ المصون . قوله : ( والآية مما احتج به إلخ ) هذا مما زاده المصنّف على ما في الكشاف ، وهو من أمّهات المسائل الأصولية وله أدلة منها ما ذكر كما يشير إليه قوله مما ، وإطلاقه التكليف يتناول الوجوب وغيره وتقريرهم ظاهر في أنّ الخلاف في الوجوب ، وفي الآيات البينات لا مانع من إجرائه في غيره ، وفي تحرير ابن الهمام القدرة شرط التكليف بالعقل عند الحنفية والمعتزلة لقبح التكليف بما لا يطاق ، واستحالة نسبة القبيح إليه تعالى ، وبالشرع عند الأشاعرة في الممكن لذاته كحمل جبل ، واختلف في المحال لذاته ، فقيل عدم جوازه شرعي لأنه تعالى قاللا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها[ سورة البقرة ، الآية : 286 ] فلو كلف الجمع بين النقيضين جاز عقلا ، وهذا منسوب للأشعري ، وقيل : عقليّ وتحرير محل النزاع أنّ مراتب ما لا يطاق ثلاث أدناها ما يمتنع لعلم اللّه بعدم وقوعه أو لإرادته ذلك ، أو لإخباره به ولا نزاع في وقوع التكليف به فضلا عن الجواز فإنّ من مات على كفره ممن أخبر اللّه تعالى بعدم إيمانه يعدّ عاصيا إجماعا يعني بإجماع أهل الإسلام وفرقه فإنّ الآمديّ نقل عن بعض الثنوية أنه منع جوازه كما في شرح منهاج المصنّف رحمه اللّه وأقصاها ما يمتنع لذاته كجمع الضدّين ، وفي جواز التكليف به تردّد بناء على أنه يستدعي تصوّر المكلف به واقعا وتصوّر الممتنع واقعا فيه تردّد ليس هذا محل تفصيله والحق جوازه لا وقوعه وإن قيل به أيضا ، والمرتبة الوسطى ما أمكن في نفسه لكنه لم يتعلق بوقوعه قدرة العبد أصلا كخلق الجسم أو عادة كصعود السماء ، وهذا هو الواقع فيه الخلاف على المشهور عند المحققين ، والمراد بالتكليف هنا طلب تحقيق الفعل والإتيان به ، واستحقاق العقاب على تركه لا مطلق الطلب ، ولا الطلب قصدا للتعجيز وإظهار عدم الاقتدار على الفعل كما في طلب معارضة القرآن للتحدّي ، ثم إنّ النزاع في هذا إنما هو في الجواز ، وأمّا الوقوع فممتنع بحكم الاستقراء الشاهد عليه النصوص كقوله تعالىلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها[ سورة البقرة ، الآية : 286 ] الآية وبهذا ظهر أنّ كثيرا من تمسكات الفريقين لم يرد على المتنازع فيه هذا محصل ما في شرح المقاصد وكله مما طبق فيه المفصل إلّا قوله أخيرا إنّ النزاع إنما هو في الجواز ، فإنه صرّح في كثير من كتب الأصول بخلافه إلّا أن يقال إنه لم يعتدّ بالخلاف في الوقوع ، ثم إنّ بعض أهل الأصول فرق بين التكليف بالمحال بالباء الموحدة وتكليف المحال بدونها ، وقال : الكلام هنا في الأوّل وفي الثاني أيضا خلاف الأشعريّ على ما في شرح منهاج المصنّف . قوله : ( فإنه سبحانه وتعالى أخبر عنهم بأنهم إلخ ) بيان لوجه الاحتجاج ودفع لما يرد عليه من أنّ ما نحن فيه ليس محالا لذاته ولا عادة بل عقلا فقط ، وهو واقع بالاتفاق كما مرّ فقرّره على وجه يبينه ويدفع ما يرد عليه ، وإن جاز ووقع وهو مستلزم لاجتماع الضدّين لزم منه وقوع المحال لذاته وما يستلزم المحال لذاته محال لذاته فالمستحيل لذاته قد وقع لأنّ أبا لهب مثلا قد أمر بالإيمان