الوجهين حسن في يؤمنون بالغيب ، وأمّا في الشرع ، فالتصديق بما علم بالضرورة أنه من دين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، كالتوحيد والنبوّة والبعث والجزاء ومجموع ثلاثة أمور اعتقاد الحق ، والإقرار به والعمل بمقتضاه عند جمهور المحدّثين والمعتزلة والخوارج ،
شرح
مع أنه غير مسلم ، ولزوم الإقرار فيه مما ذهبوا إليه في بعض المذاهب فتأمّل . قوله : ( وكلا الوجهين حسن في يؤمنون بالغيب ) أي يعترفون به أو يثقون بأنه حق ، فالوثوق بمعنى اعتقاد حقيته وهذا بالنظر إلى المعنى اللغوي ، وأمّا بالنظر إلى المعنى الشرعي ، فالحمل على التصديق ظاهر الجرحان للإجماع على أنّ الإيمان المعتبر نفس التصديق ، أو هو داخل فيه كما في الكشف . قوله : ( وأمّا في الشرع إلخ ) لما كان المعنى الشرعيّ منقولا من اللغوي قدّمه ، وبين أنّ حقيقته الأصلية جعله آمنا وقد يكون بمعنى الوثوق حقيقة ، ثم إنه صار في عرف اللغة حقيقة في التصديق ، وضمن معنى الاعتراف ، وأمّا الشرعيّ فاختلف فيه أهل القبلة على عشرة أقوال أصحابها فرق أربع على ما فصله الإمام ، فهو منقول من مطلق التصديق إلى التصديق بأمور مخصوصة ، كما عرف في مثله من الحقائق الشرعية ، والتصديق هو الإذعان والتسليم والرضا به من غير تردّد وشك فيه لا مجرّد العلم والمعرفة ، إذ من الكفار من يعرف الحق ولا يقرّ به عنادا ، والضرورة ما لا يحتاج إلى نظر واستدلال بحيث تعلمه العامّة ، وهو العلم الضروريّ المراد هنا فكونه من الدين ضروريّ ، وإن كان في نفسه يتوقف على النظر والاستدلال ، ويكفي الإجمال فيما يلاحظ إجمالا ولا يشترط التفصيل إلّا فيما يلاحظ تفصيلا حتى لو لم يصدّق بوجوب الصلاة عند السؤال عنه ، ومجرمة الخمر إذا سئل عنها كان كافرا ، وقيل : هو التصديق بالقلب واللسان ، وهو منقول عن أبي حنيفة ، ومشهور عن أصحابه ومحققي الأشاعرة فهما ركنان له إلّا عند العجز قال ابن الهمان : والاحتياط واقع عليه ، وذهبت الكرّامية إلى أنه الإقرار باللسان فقط ، فإن طابق القلب فهو ناج وإلّا فهو مخلد في النار ، فإن قلت ما المراد من التصديق بما اشتهر كونه من الدين بحيث تعلمه العامّة من غير نظر واستدلال ، فإن أريد التصديق بجميع ذلك لزم أنّ من صدّق باللّه وملائكته وكتبه ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره ، ولم يصدّق بغير ذلك لأنه لم يبلغه لأنه في دار الكفر أو لقرب عهده بالإسلام لا يكون مؤمنا ، وهو مؤمن بالإجماع ، وإنما الخلاف في الإيمان المجمل ، وهو أن يقول آمنت باللّه كما هو بأسمائه وصفاته وقبلت جميع أحكامه ، وإن أريد التصديق في الجملة ، ولو ببعضه كالتوحيد فهو غير كاف بالإجماع قلت قد أورد هذا بعض الفضلاء ، وأجاب عنه بأنّ المراد التصديق بجميع ذلك بشرط بلوغ الخير إليه وعلمه بكونه من ضروريات الدين ، وفيه بحث فتدبر . قوله :
( ومجموع ثلاثة أمور إلخ ) هو مرفوع معطوف على التصديق في قوله فالتصديق إلخ وليس المراد بالحق هنا هو اللّه بل خلاف الباطل وتعريفه للعهد لأنّ المراد به ما مرّ ، وهو المعلوم من الدين بالضرورة ، وقيل : هو الحكم الثابت بالشرع علميا كان أو عمليا ، ولا يخفى أنه لا يصح على إطلاقه ، فلا بدّ مما قلناه والاعتقاد افتعال من العقد ، وهو عقد القلب أي الجزم به ، وهو