الوقف على المتقين تاما ، والإيمان في اللغة التصديق مأخوذ من الأمن كأنّ المصدّق أمّن
شرح
لما قبله وإن فهم ذلك ضمنا فهو ، وإن لم يجر عليه كالجاري ويكفي هذا في ارتباط الكلام سواء كان الاستئناف نحويا أو بيانيا ، فيكون جوابا عن سؤال تقديره ما بال المتقين خصوا بذلك الهدى ، فلا يتوهم ضعف هذا الوجه لعدم الارتباط فيه كما نقل عن أبي حيان ، ولا إنّ الظاهر على هذا إنّ بينهما كمال الانفصال ، وتقدير السؤال يقتضي الاتصال وكونه كالجاري عليه لا ينافي كون الوقف تاما كما ستسمعه قريبا ، وقال قدّس سرّه : حاصل ما قرّره من الاحتمالات أنّ المتقي إن حمل على المعنى الشرعي ، فإن كان خطابا لمن عرف مفهومه مفصلا كانت الصفة مادحة ، وإلّا كاشفة وإن حمل على مجتنب المعاصي كانت مخصصة ، ولما كان الاستئناف أرجح لم يكن في الترجيح بين هذه الأقسام فائدة ، ثم إنّ المتقين إن أريد بهم المشارفون لم يحسن أن يجعل الذين يؤمنون بالغيب صفة ، ولا مخصوصا بالمدح نصبا أو رفعا ولا استئنافا أيضا ، لأنّ الضالين الصائرين إلى التقوى ليسوا متصفين بشيء مما ذكر ، وحمل الكلام على الاستقبال والمشارفة يأباه سياق الكلام عند من له ذوق سليم اه . وقيل : يمكن دفعه بأنّ في هذا النوع من المجاز زمانين زمان النسبة وزمان إثبات النسبة ، واعتبار المشارفة بالنظر إلى زمان نسبة الهدى واعتبار حقيقة التقوى بالنظر إلى زمان إثبات الهدى فلا إشكال ، ونظيره أن يقال قتلت قتيلا كفن في ثوب كذا ودفن بموضع كذا ، فإنّ اعتبار المشارفة بالنظر إلى زمان نسبة القتل واعتبار حقيقة القتل ، والتكفين والدفن بالنظر إلى زمان إثبات نسبة القتل ، وقيل : أيضا يمكن أن يكون المتقين مجازا بالمشارفة ، والصفة ترشيحا له بلا مشارفة ، ولا تجوّز أصلا كما هو المعهود في ترشيح المجاز والاستعارة .
( أقول ) لا يخفى ما في هذا أمّا الأوّل فلأنّ أهل الأصول اختلفوا في أنّ المعتبر زمان الحكم ، أو زمان التكلم ، ورجحوا الأوّل ، وما ذكره هذا المجيب منتحت من القولين ، فهو بناء على غير أساس ، وسقوطه ظاهر بلا التباس . وأمّا الثاني فهو إن لم يبعد عن الصواب إلّا أنه مسلم للإشكال وتوجه وروده وليس كذلك لأنا إن حملنا المتقين على حقيقته فظاهر وإن حملناه على المشارفة فالمشارفة ثابتة في الحال والتقوى الحقيقية عقبه ، كما هو شأن المشارفة فلتعقبها لها ، كأنها واقعة فيمدح صاحبها بما يتصف به بعد ذلك في المستقبل من غير محذور ، وإذا علم المخاطب ثبوت وصف حميد في المستقبل لموصوف ، فما المانع من المدح به كما يقول المؤمن نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الشفيع في المحشر ، فالإشكال ليس بوارد أصلا .
قوله : ( فيكون الوقف إلخ ) قال السخاوندي : الوقف إمّا لازم ، وهو الذي إذا وصل غير المعنى المراد نحو وما هم بمؤمنين يخادعون اللّه لأنّ القصد نفي الإيمان ولو اتصل لم يفده ، ومطلق وهو ما يحسن الابتداء به وهو الذي عناه العلامة بقوله مقتطع ، وجائز وهو ما استوى وصله وفصله وهو المراد بقوله حسن غير تامّ لأنّ اعتبار الوصفية يقتضي الوصل ، واعتبار الفاصلة يقتضي الفصل ، وفي الكشف اعتبار الفاصلة في الوقف لا يقول به السخاوندي والكواشي ،