التقوى يترك ما لا ينبغي مترتبة عليه ترتب التحلية على التخلية والتصوير على التصقيل ،
شرح
فالصفة مقيدة باعتبار الصلاة فيما بعدها ، لكن لا يتعين فيه ترتيب التحلية على التخلية لأنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فتقتضي اجتناب المنكرات كلها وهي تحلية أيضا إلّا أن يتكلّف وإن حمل على المرتبتين الأخيرتين فليست بمقيدة ، أو هو لغويّ ، لأنّ التقوى في اللغة الاحتراز ، وأورد عليه أنّ المراد هنا احتراز خاص فلا يكون حقيقة لغوية ، ولذا قيل إنها مقيدة إن فسرت التقوى بما يناسب معناها اللغوي الذي هو الاجتناب أعني ترك ما لا ينبغي شرعا من المعاصي والمنهيات ، ولا يخفى أنه مع ما فيه لا يجدي نفعا ، كالقول بأنه نوع من اللغوي خص لاقتضاء المقام له ، والحق أنّ هذا معنى حقيقي شرعي ، أو لغوي كما في الكشف ، وهو الأظهر ولا يرد عليه ما مرّ ، لأنه إنما يكون كذلك إذا لم يخص بتعريف بأل ، أو إضافة وأمّا في ذلك ، فلا مرية في أنه معنى حقيقي فرجل وغلام عام أو مطلق لو أريد به زيد وعمرو كان مجازا ، ولو قيل الرجل والغلام بالتعريف العهدي وأريد ذلك ، فلا وهو أشهر من أن يذكر ، والمراد بالمتقي هنا من يتجنب القبائح والمنهيات سواء امتثل لأوامر وأتى بالحسنات أم لا ، فالصفة مخصصة كزيد التاجر لدلالتها على ما هو خارج عن معنى الموصوف فإن قيل اجتناب المعاصي لا يتصوّر بدون فعل الطاعات لأنّ ترك الطاعة معصية ، كما قال تعالى :لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ[ سورة التحريم ، الآية : 6 ] قيل إنّ مبنى هذا على أنّ المعصية فعل ما نهى اللّه عنه وأنّ الترك ليس بفعل ، وقيل المراد بالمعاصي ما تعلق به صريح النهي ، وترك المأمور به منهي عنه ضمنا ، وأورد عليه أنّ الأوّل ضعيف لأن السائل استدل على أن ترك الطاعة معصية بآيةلا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ[ سورة التحريم ، الآية : 6 ] فلا يدفعه مجرّد أن يقال إنّ المعصية مخصوصة بغير الترك على أن ترك الطاعة بمعنى الكف عنها مما يعاقب عليه ، فيكون حراما والكف عن المعصية مما يثاب عليه فيكون واجبا كما تقرّر في الأصول ، ويلزم الثاني أن لا تبطل التقوى بارتكاب المنهيات الضمنية المستفادة بإشارة النص أو الاقتضاء ، والدلالة وليس كذلك مع أنه يختل بالواجب الذي وقع الوعيد على تركه صريحا فإنه يدخل هذا الترك في المعصية ، وبالجملة لا يظهر تخصيص التقوى بما يتعلق صريح النهي به ، فإنها الاحتراز عن المعصية مطلقا ، وليس بوارد ، لأنه ليس الكلام في أنّ هذه الأمور معصية ، وإن ترك المنهيات ، والمعاصي مطلقا تقوى إنما الكلام في أنها داخلة في مفهوم هذه التقوى أم لا وعلى الثاني ، فلزوم اجتنابها مفهوم من الصفة المقيدة ، وعلى كل حال فلا بدّ من اجتنابها ، ولكن هل يؤخذ هذا من الموصوف ، أو من الصفة وعلى كل لا محذور فيه حتى يرد عليه ما أورده . قوله :
( بترك ما لا ينبغي إلخ ) ينبغي مطاوع بغاه يبغيه إذا طلبه ، ويكون لا ينبغي بمعنى لا يصح ، ولا يجوز وبمعنى لا يحسن ، وهو بهذا المعنى غير متصرف لم يسمع من العرب إلّا مضارعه ، كما في قوله تعالى :لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ[ سورة يس ، الآية : 40 ] وقد قيل إنه يدخل فيه ترك الكفر ، وترك العقائد الفاسدة ، وجميع المناهي والإخلال بالأعمال الصالحة ،