بأطرافه إذ لا أنقص مما يعتريه الشك ، والشبهة وما كان كذلك لا محالة هدى للمتقين وفي كل واحدة منها مع التعليل نكتة ذات جزالة ، ففي الأولى الحذف ، والرمز إلى المقصود مع
شرح
أقول له ارحل لا تقيمنّ عندناوهذا مراد المصنّف رحمه اللّه لا أنّ الثاني مترتب على الأوّل ترتب المدلول على الدليل ، كما توهموه لقصور النظر ، فورد عليهم أنّ المعروف في مثله اقتران الثاني بالفاء التفريعية ، كما يقال العالم متغير وكل متغير حادث ، فالعالم حادث وهي وإن لم تكن عاطفة فهي أداة وصل كواو الحال ، لأنّ المعتبر عندهم في مثله كونه عاطفا بحسب الأصل والصورة ، فدفع بأنّ الظاهر أنه من القسم الثاني من الاستئناف البياني ، وهو أن يكون جوابا عن سؤال عن غير السبب المطلق والخاص ، كأنه لما قيل إنه متحدّي به مع أنه من جنس كلامكم قيل : فما يلزم من هذا قال إنه يكون هو الكامل دون غيره ، وهكذا يقدر فيما بعده إلى أن ينتهي السؤال وينقطع الجواب ، ولا يخفى أنه ليس في كلامه ما يدل على ما ذكره ، وإنما يريد أنه لكون الجملة الثانية معناها لازم للأولى حتى كأنه مستفاد منها اقتضى ترك العطف ، كما عرفته آنفا ، ولم ينظر إلى تفريعه عليه حتى يقال أيضا : إنّ الظاهر الفاء ، كما في قوله ضرب فانفجرت ، وقيل : إن نكتة الفصل على هذا أنّ اللاحق نتيجة السابق ، فبينهما كمال الاتصال ففي هذا الوجه كل سابق مقرّر للاحق على عكس التوجيه السابق ، وهو لطيف جدّا إلّا أنا لم نعثر عليه في كلام القوم ، والمطابقة لقواعدهم جعل اللاحق مقرّرا للسابق ، لأنه لكونه منتجا له متضمنا له ، فذكره يتضمن ذكره والفصل على هذا الوجه ، لكون اللاحقة مقرّرة للسابقة ، فإن قلت لم يعهد ذكر النتيجة بلا رابطة فحسن هذا التوجيه ، وقبوله يتوقف على استغناء النتيجة عن الرابطة نعم لا تعطف النتيجة ، لكن تربط بحرف التعقيب والتفريع فقد أحوجه هذا الوجه إلى نكتة ترك حرف التفريع بل إلى وجه صحته قلت : إذا قصد الاستدلال والاستنتاج ، فلا بدّ من حرف التفريع ، ولم يقصد هنا بل قصد الإخبار بكل جملة استقلالا إلّا أنه كان كل لاحق نتيجة للسابق ، فلهذا لم يحسن العطف لعدم صحة عطف النتيجة على الدليل ولما لم يقصد الاستدلال لم يكن لإيراد حرف التفريع معنى ا ه . ولا يخفى ما فيه من الخبط ، والخلط فعليك بعض النواجذ على ما قدّمناه والمراد بالاستتباع هنا الاستلزام كما مرّ ، وفي اصطلاح أهل البديع أن يساق الكلام لمدح ونحوه ثم يلوّح به لمعان أخر كما في قوله :نهبت من الأعمار ما لو حويته * لهنئت الدنيا بأنك خالدوهو قريب منه ، ويتشبث بمعنى يتعلق وهو استعارة هنا ، ولا محالة بفتح الميم والبناء على الفتح بمعنى لا بدّ . قوله : ( وفي كل واحدة منها إلخ ) يعني أنّ هذه الجمل المتناسقة مع ما تضمنته من الفوائد الجمة في نظمها بدائع أخر ، والنكتة الدقيقة اللطيفة معنوية كانت أو لفظية ، والمراد الثانية وأصلها من نكت في الأرض بقضيب ونحوه يؤثر فيها ، والجزالة مصدر جزل الحطب بالضم إذا عظم وغلظ فهو جزل ، ثم استعير في العطاء فقيل أجزل له العطاء إذا وسعه وفي الرأي ، فيقال : رأي جزل أي قويّ محكم ومنه ما هنا . وقوله : ( ففي الأولى ) أي الجملة