يقال إنها أربع جمل متناسقة تقرّر اللاحقة منها السابقة ، ولذلك لم يدخل العاطف بينها ، فالم جملة دلت على أن المتحدّي به هو المؤلف من جنس ما يركبون منه كلامهم ، وذلك الكتاب جملة ثانية مقرّرة لجهة التحدّي بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال ، ثم سجل على
شرح
أهل المعاني ، وإن صرّح النحاة بخلافه في نحوكَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ[ سورة النبأ ، الآية : 4 - 5 ] كما سيأتي ، ولما ذكر ما ذكره من الإعراب الناظر للمفردات وكان المتبادر منه أنها جملة واحدة ، أو في حكمها كما سيظهر للنظر الصادق فيما قدّمه أشار إلى أنه لا يليق بجزالة البلاغة ، وفخامة المعنى ، ومقتضاها أن تجعل جملا متعدّدة ، فبين ذلك بوجهين وقال فالم إلخ ، بالفاء التفصيلية . قوله : ( جملة دلت إلخ ) كونه جملة اصطلاحية حقيقة إن قدّر خبرا أو مبتدأ ، وجعل علما ، فإن أريد به طائفة من الحروف للإيقاظ ، وأولت بما مرّ فهي في حكم ذلك إن قلنا لها محل من الإعراب ، فإن لم نقل به لا يتأتى ما ذكر وإليه أشار بقوله على أنّ المتحدّي به هو المؤلف وفي الكشاف نبه على أنه أي ( ألم ) الكلام المتحدّى به فجعل ألم هو المبتدأ والمتحدي به خبره المقدّر والمصنف عكسه ، فقيل في وجهه إنه نظر إلى أنّ اتصاف الكتاب بأنه المتحدّى به معلوم مكشوف دون اتصافه بأنه المؤلف من جنس ما يركبون منه كلامهم ، ولا يخفى ما فيه ، فإنّ كونه مؤلفا من جنس الحروف لا غطاء عليه حتى يكشف بل الظاهر أنه غير مفيد فائدة تامة لظهوره ، فلذا أخبر عنه بما ذكر ليجدي ، وهذا ظاهر على إرادة الحروف ، وعلى العلمية لإشعارها بذلك كما مرّ ، ولم يلتفت لبقية الأقوال لضعفها عنده .
قوله : ( مقرّرة لجهة التحدّي إلخ ) بأنه متعلق بقوله مقرّرة ، واتصافه بغاية الكمال في لفظه ، ومعناه فهو هاد بالمعنى ، والعبارة بخلاف غيره من الكتب ، فلا يقال : كيف يفضل بكماله في التحدّي على غيره من الكتب ولا إعجاز لها ، وفي شرح التلخيص معنى ذلك الكتاب أنه الكامل في الهداية لأنّ الكتب السماوية إنما تتفاوت بحسنها لا غير ، فإن قلت : قد تتفاوت الكتب بجزالة النظم وبلاغته كالقرآن الفائق على جميع الكتب بإعجاز نظمه قلت : هذا داخل في الهداية لأنه إرشاد إلى التصديق به ودليل عليه .
( أقول ) الحروف المقطعة دالة على الأعجاز الدال على أنه ليس من صنيع البشر بل من كلام خالق القوى والقدر على ما مرّ وهو المراد بجهة التحدّي هنا ، فالمقرّر المؤكد له هو كونه هاديا لجميع العباد لخيري المعاش والمعاد ، فإنه مقتض أيضا لأنه أمر إلهي ، فلا حاجة لإدخال الإعجاز فيما تدل عليه الجملة الثانية بل لا وجه له إذ هو مع أنه كالمصادرة غير مشترك بين الكتب ، فلا يلتفت لما قيل في بعض حواشي المطوّل من أنه كلام على السند الأخص ، وأنّ كون البلاغة سببا في نفسها مما لا يمكن إنكاره غاية الأمر أنه صار سببا لكمال آخر هو الهداية انتهى ، وفي نسخ القاضي هنا اختلاف بالزيادة والنقصان . قوله : ( ثم سجل إلخ ) أي قرّره وأثبته ، وفسره الشريف رحمه اللّه بحكم به حكما قطعيا ويقال سجل مشّددا