الشك حوله بأنه هدى للمتقين أو تستتبع كل واحدة منها ما تليها استتباع الدليل للمدلول ، وبيانه أنه لمبانيه أوّلا على إعجاز المتحدّي به من حيث أنه من جنس كلامهم ، وقد عجزوا عن معارضته استنتج منه أنه الكتاب البالغ حدّ الكمال واستلزم الكمال أنه لا يتشبث الريب
شرح
أنّ الأنسب أن يعطف هدى للمتقين على لا ريب فيه لاشتراكهما في أنهما تأكيد لذلك الكتاب عندهم ولا امتناع فيه إنما الممتنع عطف التوكيد على المؤكد لا عطف أحد التأكيدين على الآخر والتفصي عنه أن يقال لما كان لا ريب فيه مؤكدا للجملة الأولى اتحد بها ، فالجملة السابقة التي يتوهم العطف عليها هي ذلك الكتاب معتبرا معه ما هو من تتمته ، وإليه أشار في المفتاح .
( أقول ) قد استحسن هذا بعض الفضلاء ، وقال : إنه يظهر منه وجه عدم العطف في نحو قوله تعالى :فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ[ سورة الحجر ، الآية : 30 ] مع اتحاد كلهم وأجمعون في التأكيد به للملائكة ، وليس الاستحسان بحسن فإنّ التأكيد إذا تعدّد سواء كان من نوع أو لا لا يصح عطفه إذ لم يسمع ، ولم يقل به أحد من النحاة ثم إنه قيل عليه أنه يقتضي أن يكون من أسباب الفصل كون الثانية مؤكدة لما أكد بالجملة الأولى ، ولو قيل أنه لم يعطف على لا ريب فيه لئلا يتوهم عطفه على ذلك الكتاب جاز ، وهو أحسن مما ذكره السيد وأقرب ولا يلزمه اختراع سبب آخر للفصل ، ثم إنه قيل إنّ سبب عدول صاحب المفتاح عما في الكشاف أنه لا يجوز أن يكون للتأكيد تأكيد في المفرد المقيس عليه ، وإن ترك العطف فيما اختاره لأنّ بين اللفظي والمعنوي مباينة تقتضي الفصل ، وأنه لا يصح العطف على أمر هو من تتمة أمر آخر ، ولا يخفى أنه يرد عليه أنه مخالف لذلك أيضا في الجملة الأولى ، وفي تقديم التأكيد المعنوي على اللفظي ، والمعروف خلافه ، وقد وجه بما تركه أحسن من ذكره ، فالحق أنّ ما ينزل منزلة الشيء لا يلزم أن يكون مثله من جميع الوجوه وما استصعبوه أهون من أن يستصعب فافهم ترشد . قوله : ( أو تستتبع كل واحدة إلخ ) هذا معطوف على قوله تقرّر اللاحقة منها السابقة . وقوله : ( استتباع ) بالنصب مفعول مطلق وعامله تستتبع ، وهو إمّا نوعي أو تشبيهي كخبط خبط عشواء لأنّ الاستتباع طلب التبعية ، والمراد به الاستلزام ، وهو على ضروب منها استلزام الدليل لمدلوله أو المراد ما يقرب منه ، ويشبهه لما بينهما من التلازم لاستلزام الإعجاز غاية الكمال ، وغاية كمال الكلام البليغ ببعده من الريب والشبه لظهور حقيته ، وذلك مقتض لهدايته ، وإرشاده فإن نظر إلى اتحاد المعاني بحسب المآل كان الثاني مقرّرا للأوّل ، فيترك عطفه وهو الوجه الأوّل ، وإن نظر لأنّ الأوّل مقتض لما بعده للزومه له بعد التأمّل الصادق ، فالأوّل لاستلزامه لما يليه ، وكونه في قوّته بجعله منزلا منه منزلة بدل الاشتمال لما بينهما من الملابسة ، والملازمة فوازنه وزان حسنها في أعجبتني الجارية حسنها ، فيترك العطف لشدّة الاتصال ، كما قرّره أهل المعاني في قوله :