كماله بنفي الريب عنه ولا ريب فيه جملة ثللثة تشهد على كماله ، لأنه لا كمال أعلى مما للحق واليقين ، وهدى للمتقين بما يقدّر له مبتدأ جملة رابعة تؤكد ، كونه حقا لا يحوم
شرح
وأسجل قال المعري :طويت الصبا طيّ السجلّ وزادني * زمان له بالشيب حكم وأسجالوفي شرح مقامات الزمخشريّ له يقال سجل عليه بكذا إذا شهره كأنه كتب به عليه سجلا اه . فهو استعارة للتشهير والنداء والمصنّف رحمه اللّه استعاره للإثبات وهو قريب منه ولا حجر في المجاز وتعديه بعلى وبالباء ووجهه يعلم مما مرّ أي أظهر كماله بنفي الريب عنه فإن المعجز المرتدي بالكمال لا يرتاب فيه عاقل ، وعطف هذا بثم لما بينهما من التفاوت الرتبي فإنّ ما قبله دال على الإعجاز وبلوغ غاية الكمال ، وهما صفتان جليلتان لازمتان له وهذا نفي للريب وإثبات للحقيقة ، وبينهما بون بعيد . قوله : ( لأنه لا كمال أعلى إلخ ) في الكشاف لا كمال أكمل مما للحق واليقين ، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة ، وقيل لبعض العلماء فيم لذتك فقال في حجة تتبختر اتضاحا ، وفي شبهة تتضاءل افتضاحا وقوله لا يحوم الشك حوله مبالغة في كونه يقينا لا تعتريه شبهة أصلا لأنه إذا نفى قربه منه علم نفيه عنه بالطريق الأولى ، ويحوم مضارع حام الطائر حول الماء إذا دار به ، وفي الحديث : « من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه » « 1 » أي من قارب المعاصي ودنا منها قرب وقوعه فيها وهذه استعارة مكنية بتشبيه اليقين بعين عذبة والشك بطائر يريد الشرب منه ، ولا يصل إليه ، وإثبات الحومان تخييل أو هو استعارة تمثيلية وقيل هو كناية كقوله :فما جازه جود ولا حلّ دونه * ولكن يصير الجود حيث يصيرفيفيد مبالغة مأخوذة من جعله نفس الهدى .
وأعلم أنّ المصنّف تبعا للزمخشريّ ذكر أنّ هنا جملا أربعا كل منها مؤكد لما قبله والسكاكي خالفه في ذلك بعدما وافقه في أصل التأكيد ، فقال : إنّ بعضها منزل منزلة التأكيد المعنوي لاختلاف معناهما ، وبعضها منزلة التأكيد اللفظي لاتحاده ، فلا ريب بالنسبة إلى ذلك الكتاب بمنزلة التأكيد المعنوي ولما بولغ في وصف الكتاب بأنه بلغ أقصى الكمال بجعل المبتدأ ذلك ، وتعريف الخبر باللام الجنسية المفيد للحصر حقيقة أو ادعاء ، أفاد أنّ ما سواه ناقص ، وأنه المستحق لأن يسمى كتابا فجاز أن يتوهم أنه رمي به جزء مّا ، فاتبع ذلك الكتاب بلا ريب فيه ، لنفي ذلك التوهم ووزانه وزان نفسه وهُدىً لِلْمُتَّقِينَمعناه إنّ ذلك الكتاب بلغ في الهداية درجة لا يدرك كنهها ، فهو كزيد زيد إلخ ما فصل في شروحه وحواشيه ، وقال قدّس سرّه : لا إشكال فيما سلكه الزمخشريّ ، ومن تابعه وما في المفتاح ، وكتب المعاني يتجه عليه
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .