ويعرب عن وجوه القراءات المعزية إلى الأئمة الثمانية المشهورين ، والشواذ المروية عن القرّاء المعتبرين إلا أن قصور بضاعتي يثبطني عن الأقدام ويمنعني عن الانتصاب في هذا المقام ، حتى سنح لي بعد الاستخارة ما صمم به عزمي على الشروع فيما أردته ، والإتيان بما قصدته ، ناويا أن أوسمه بعد أن أتممه بأنوار التنزيل ، وأسرار التأويل ، فها أنا الآن أشرع
شرح
لمقارنتها لذلك غالبا ، أو لأنّ تأثير الفكر كالنكت في القلب ، ويصح أن ينقل من نكتة الأديم والثوب ، وهي ما تخالف لونه لكونها تخالف غيرها بلطافتها ، وبارعة بمعنى فائقة ، ورائعة من الروع بفتح الراء ، وهو الإعجاب يقال راعني الشيء إذا أعجبني وراقني أو من راعه إذا أفزعه كان الرائع الجميل يفرط حتى يروع من يراه قاله السهيلي في « الروض الأنف » : وقيل إنه من الريع بمعنى الزيادة والنماء ، والاستنباط أصل معناه استخرج ماء البئر ونحوه ، فاستعير لاستخراج المعاني بجدّ واجتهاد وفيه تشبيه المعاني بالماء للطفه ، وصفائه ، أو لأنه سبب الحياة ، ومراده رحمه اللّه بالأفاضل الزمخشريّ والراغب والرازي ، فإنّ معوّل المصنف رحمه اللّه على هؤلاء في الأثر حتى قيل : إنّ كل ما فيه من العربية وما فيه من اللغة من الراغب ، وما فيه من الكلام من التفسير الكبير . قوله : ( ويعرب عن وجوه القراءات الخ ) المعزية ويقال : معزوّة بمعنى منسوبة ، وفعله عزيته وعزوته ، والثاني أكثر والثمانية هم القرّاء السبعة المشهورون ، والثامن يعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري وراوياه روح بفتح الراء ورويس بالتصغير ، والشاذ ما وراء السبعة والأصح أنه ما فوق العشرة ، وأحكامه مبسوطة في محلها قوله : ( الثمانية الخ ) إشارة إلى وجه اختياره الثامنة دون باقيها لأنها اشتهرت حتى قيل إنها الشائعة في الصدر الأوّل إلى رأس الثلثمائة ، ثم أسقطها منها ابن مجاهد وأثبت بدلها قراءة الكسائي ، وقد قالوا :
إنّ يعقوب كان أعلم أهل عصره بالعربية ، ووجوه القراءات كما في الإتقان وغيره . قوله : ( إلا أن قصور بضاعتي الخ ) في الأساس قصر عنه قصورا عجز عنه ، ولم ينله والبضاعة المتاع المجلوب ، فنسبة القصور إليه مجازية ، والأصل قصوري عن تكثير بضاعتي ، أو ترويجها وهو استعارة شبه العلم والاشتغال به بالمال الذي يتجر فيه أهله ، وقلة معلوماته بقلة رأس مال التجارة ، وثبطه عن الأمر عوقه عنه ، وأبطأه عنه ، قوله : ( ويمنعني عن الانتصاب في هذا المقام ) ويعني به مقام تأليف ما ذكره . وقوله : ( أن أوسمه ) أي أجعل سمة وعلامة والمعروف فيه وسمه يسمه كوعده يعده ، وأمّا وسم المشدّد ، فإنه بمعنى حضر الوسم ، فإن صح روايته هنا ، فهو لأجل الازدواج مع قوله أتممه ، وصمم على صيغة المبني للفاعل أي خلص عن التردّد ، وموجب التوقف وصار ماضيا لا فتور فيه . يقال صمم في السفر ونحوه أي مضى ، وصمم السيف نفذ للعظم وقطعه ، وصمم أي عض ونشب فلم يرسل ما عضه ويجوز كون صمم مبنيا للمفعول من هذه اللغة أي أخذ عزمي ولم يرسله قوله : ( بأنوار التنزيل الخ ) النور هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره فإن فهمت ، فهو نور والسر ما يلزم كتمانه ولب الشيء ولا يخفى مناسبته